خطوة ثابتة
وُلد محمود وهو يعاني من إعاقة في ساقيه، لكن قلبه كان يسير أسرع من الجميع، وعقله يُحلّق حيث لا تصل الأقدام.
منذ صغره، أدرك أن الحياة لن تعامله برفق، فاختار أن يكون هو الرقيق الصلب، الحالم العنيد. في المدرسة، تفوّق على أقرانه، وتخطى العوائق كما يتخطى النهر الصخور في طريقه. لم تكن الإعاقة عذرًا، بل كانت دافعًا.
وفي امتحان الثانوية العامة، أذهل الجميع عندما حصل على معدل 94٪.
سأله الناس:
– "شو ناوي تدرس؟"
فأجاب بثقة تشبه خطوات من لا يتعثر:
– "دكتوراه في الصيدلة... بدي أداوي مش بس المرض، بدي أداوي النظرة المجروحة لذوي الاحتياجات."
خاض محمود رحلته الجامعية بكل ما فيها من تحديات. لم يتغيب، لم يتأخر، لم يطلب امتيازات. كان متفوقًا، نشيطًا، حاضر الذهن والقلب، حتى تخرّج بدرجة "امتياز"، حاملًا شهادة تروي قصة كفاح من نوع خاص.
ثم بدأت رحلة البحث عن عمل.
قدّم عشرات الطلبات للمستشفيات، المؤسسات، الصيدليات، المراكز البحثية... وكل من قابله جلس مشدوهًا أمام معرفته، لباقته، هدوئه، وثقته.
لكن شيئًا ما كان دائمًا يعرقل التوظيف... ربما كان العكازات التي تحمله، أو الصورة النمطية التي لا تزال ترفض أن ترى الكفاءة في غير القادرين على الوقوف.
ورغم ذلك، لم يتوقف.
كان يقول:
– "أنا ما بوقفش... يمكن ما بمشي، بس بتقدّم كل يوم."
ثم جاءت الفرصة.
مستشفى حديث أعلن عن برنامج تدريب لمدة شهر بدون أجر. تقدم محمود. لم ينتظر واسطة ولا توصية، بل دخل بسيرته الذاتية، وخبرته، وعلمه.
وخلال شهر واحد فقط، لم يكن محمود مجرد متدرب.
كان مرجعًا، ومساعدًا، وصاحب اقتراحات لتطوير النظام الدوائي في المستشفى. كل من عمل معه شعر بأنه أمام عقل كبير... لا يمكن تجاهله.
وفي نهاية الشهر، اجتمعت لجنة التوظيف، وكان القرار بالإجماع:
"نحن لا نعينه لأن لديه إعاقة... بل لأننا نحن من نحتاج عقل الدكتور محمود."
تم تعيينه رسميًا، وبدأ أول يوم عمله بابتسامة واسعة، تملؤها الرسالة:
أن الفرص لا تُمنح، بل تُنتزع بثبات القلب لا بقوة القدم.
سالم غنيم
حكواتي الوجدان الشعبي