تأملات.....
جلست يوما أمام غرفتي المتواضعة وكان جلوسي على
حجر قد أحضرته من الوادي
العميق الذي كنت أنظر إليه من أمام غرفتي التي لم يكن في جوارها بيوت تسكنها الناس..!
جلست عليه طويلا وأنا أتأمل الأفق البعيد فانتظر غروب الشمس كي أُمتع نظري بلونها
البرتقالي وهي مغادرة للمبيت .
بينما كنت في لحظة تأمل وأُدقق
النظر إلى ذلك الأفق البعيد شعرت بهاتف يناديني ويقول أين
ذاك المنفرد ، سأُفتش عنه حتى
أجده وأنضم معه في وحدته فقد
سئمت حياة البشر وسوف أرافقه
ونكون بعيدين عن تلك الأهوال
وما يجري في هذا العالم المليء
بالكذب والنفاق ..!
سألت وبصوت منخفض من يناديني وأنا أعيش وحدي في هذا الجبل النائي ولم أرى أحدا
يعكر عليَّ صفوي....؟
نظرت شمالا ويمينا ولم أرى أحدا
لكنني إنتبهت أن هذا الصوت يأتى من السماء فالتفت إلى أعلى فإذا هو نسري الذي فقدته
منذ زمن بعيد يخلق فوق رأسي
ويقول لقد عدت أيها المنفرد وسأكون رفيق دربك حتى النهاية.....!
دققت النظر إليه فإذا به شاحب
وجناحيه مكسورة إحداها وبعدها هبط أمامي وهو يقول لا أريد رؤية أحد فقد سئمت الطيران من بعد أن قذفني أحدهم بشيء ما فعجزت بعدها
عن الطيران بحرية كما كنت أطير وما كان لي بعدها حيلة إلا
اللجوء إليك لأنني ما سمعتك
جيدا عندما قلت لي أيها النسر
العزير لا يغرنك الطيران في الفضاء فقد يصلك سموم البشر
ولو بعد حين فها أنت الآن أدركت قولي فتعال معي حيث لا نفاق هنا ولا من يراقبك حتى في نومك ...!
في هذا الخلاء الواسع الذي لا
يوجد فيه إلا صدى الصخور تتردد إلى سمعك من أسفل الوادي فترسلها سفوح الجبال لتصل سمعك كسمفونية عذبة
التي تملؤها النغمات فتنعش
صدرك حيث الهدوء الذي لا تخالطه همسات من يجتمعون في الدهاليز الضيقة وبعدها يظهرون لك كوعاظ أُرسلوا من
السماء......!
لكنني نظرت إليه مُجدداً وسألته
ما بال وجهك الشاحب وما بال جناحيك قد عجزتا عن الطيران
بالشكل الذي كنت أراه..؟
فقال يبدو أنك لم تستمع إليَّ من
قبل ألم أقل لك إنه من صنع البشر . لكن فضولي زادني أسئلة.
وما دخل البشر بشأنك وأنت بعيد في الأعالي ولم تخالط أحد ...؟
سخر مني وقال .. لماذا أنت هنا
بعيد عنهم وفضلت العيش وحيدا
دون أن يراك أحد..؟
فقلت له أنا بشر مثلهم ولا أستطيع أن أُجاريهم بما يفعلون..
فرد عليَّ قائلا . وهل تظن أن الذي يطير في السماء لا تصله
عدواهم ، فانظر ما فعلوه بجناحيَّ وأنا لست من جنسهم
فما بالك أنت هل فقدت إحساسك أم أنك تجاهلت ماضيك الذي بذلته في كل جهد لحثهم عن ترك ما تعودوا عليه
من الرذائل والبحث عن الفضائل
فنبذوك وحاولوا قتلك . هل نسيت أنك هنا وحدك ولماذا...؟
لقد تداركت نفسي بعد هذا الحوار وأدركت أن نسري على حق فاتخذته خليلا بعدها وأصبحت أنا وهو رفيقين وجلسنا أمام تلك الغرفة متأملين ننتظر ساعة الغروب حتى نمتع
أنظارنا معا بلونها البرتقالي عندما ترحل عن يومنا وسوف نكون بإنتظارها في اليوم الذي تنجلي
فيه الظلمات بصبح وكأنه مصباح
نور أشرق من جديد ......!
سالم المشني .... فلسطين....
وأنا لست منهم