الأربعاء، 1 أكتوبر 2025

Hiamemaloha

البنيان المرصوص للأديب الحسين صبري

 البنيان المرصوص


لطالما ضربني أخي الأكبر ضربًا مبرحًا، وكلما سأله أحدهم لماذا يضربني بهذا العنف، كان يجيب بأنه يفعل ذلك لغرض التأديب


في إحدى المرات، قرعت الباب الخارجي بقوة، ولم أدرك ما حدث لي حين استيقظت من فراشي، أخبروني حينها أنه صفعني كفًا، فانجذبت رأسي نحو الباب الحديدي وسقطت مغشيًا عليّ، نظرت إلى أخي الأكبر فقال (ما زلت تمشي حافيًا) وعيونه تقدح شررًا

وفي مرة أخرى، وجدَ في يدي سيجارة، فتلقّيت ضربًا لن أنساه أبدًا، ضربًا جعلني أكره التدخين والدخان وكل شيء له علاقة بذلك

في مرة من المرات، سحبني من بين أصدقائي، كنا أطفالًا آنذاك نلعب لعبة الورق (الكارطة)، وقد أهملت دروسي في تلك الفترة 

كبرت قليلًا وعرفت أن أخي كان يضربني لمصلحتي، حتى أنه في إحدى الأمسيات جعلني أقود سيارته لكنه جلس بجانبي، وكلما أخطأت في القيادة، صفعني على رقبتي حتى شعرت وكأن رقبتي تحترق مثل الحمم البركانية، كان يقول بصوت جهوري (القيادة أدب وفن وذوق وأخلاق)، بينما كنت أردد في نفسي المهم والأهم أنني أقود السيارة، وكم كان شعورًا جميلًا رغم الآلام والأوجاع 


كبر أخي وتزوج، في حين أنني لا زلت في مرحلة الشباب ولم يظهر لي ضرس العقل بعد،

وقد أنعم الله على أخي بأطفال، ذكورًا وإناثًا، تتلألأ وجوههم كالفجر 


لم يعد أخي يتصل بي ولا يهتم بي، ولم يعد يخاف عليّ، حتى وإن التقينا في الطريق، يحييني برفع حواجبه، لا أكثر وأنا ألوح له بيدي حاملًا سيجارة


قد لا تكون الأيام في بعض الأحيان في متناول يدك، بل إن الحياة أصبحت تعيسة، أقاوم وحدي، وقد تردّت أيامها البطيئة الشاحبة، لا أحد يهتم بي، ولا يد تربت على كتفي، ولا يد حنونة تمسح دمعتي، ولا أحد يقول لي إن التدخين ضار بالصحة، نعم، لقد عدت إلى التدخين، وأحيانًا أمشي حافيًا وأتحدث مع نفسي 


لطالما ارتديت ملابس أخي الأكبر حين أصبحت على مقاسي، وكانت تسعدني كثيرًا وأتباهى بها عندما أرتديها 

لقد شربنا من كأس واحد، وأكلنا من صحن واحد، وقسمنا خبزًا ورغيفًا واحدًا، واليوم كل منا في حاله

لا أعرف أين ترحل تلك المشاعر!

فهل كان يخاف علي عندما كنت صغيرًا وعندما كبرت قليلًا أو حتى كثيرًا لم يعد يخاف

ولماذا لم يعد ينصحني، فأنا وإن كنت قد كبرت، أظل أخاه الأصغر، أم أن هناك أولويات أخرى أهم مني وأهم من أخيه؟

 

وهنا يأتي السؤال الأهم 

لماذا كنا نهتم ببعضنا عندما كنا نسكن في بيت واحد، وعندما صار لنا بيتان مختلفان، ذهب كل منا في سبيله ولم يعد يهتم؟ 

كذلك ألاحظ أن الجار لا يعرف جاره، ولا ابن العم يعرف ابن عمه، ولا ابن الخال أو الخالة يعرفان بعضهما 

لماذا تغيرت الحياة وانقلبت حتى بين الإخوة وبين الجيران وبين أبناء الشارع الواحد؟


أنا من جيل يُقال عنه الآن إنه الجيل الذهبي(أشك في ذلك)، زمننا كان جميلًا، ففعلاً كانت الناس فيه على كلمة واحدة، وكان الواحد مع الكل، والكل من أجل الواحد، كانت المدرسة تُربي والشارع كذلك، ولكن للأسف الشديد أرى اليوم عكس كل ذلك


والسؤال الأكثر أهمية والذي يفرض نفسه عنوةً هو 

كيف لنا أن نعود كما كنا متراصين كالبنيان المرصوص؟ 


ما زلت أتساءل وأتفاجأ من وجود أشخاص يقاطعون إخوتهم، وآخرين يقاطعون أمهاتهم، وبعضهم لا يعرف قيمة صلة الرحم!

🖊الحسين صبري

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :