قصة قصيرة عن:
🌟 غرور تلميذ… وحكمة أستاذ ...
وتم نشرها بدار تحيا مصر
للإبداع والنشر الإلكتروني
وحصلت على جائزة تاج الإبداع المعترف به دوليا
وتم تقييمها بنسبة 91 بالمائة ممتاز
بقلم / د. #كامل_النحاس
⭐ المقدمة
في زمنٍ تختلط فيه القيم وتتباين فيه الموازين بين من يملك المال ومن يملك العقل والعلم،
تأتي بعض المواقف كاشفةً — بلا زينة ولا تجميل — عن حقيقة العلاقة بين العلم والثراء، وعن أيهما يرفع صاحبه، وأيهما لا يزيده إلا غفلة.
وهذه الحكاية ليست سوى مشهد من مشاهد كثيرة،
يجلس فيها رجلان جمعهما القدر:
أحدهما عقله أثمن من كل كنوز الأرض،
والآخر ماله أوسع من البحر… لكن عقله أضيق من الكف.
مشهد يكشف — بلطفٍ وسخرية رفيعة —
كيف يقف العلم شامخًا،
وكيف يتهاوى الجهل مهما تزيّن بالأموال والقصور.
✨ بداية الحكاية
جمع القدر رجلين لا يلتقيان في الصفات، لكن شاءت الأيام أن تجمع بينهما مصلحة العلم.
أحدهما أستاذ جامعي وقور، يركب سيارة فيات 128 موديل الستينات، من صناعة شركة النصر المصرية،
يركبها تواضعًا ووفاءً، ويستخدمها في تنقلاته اليومية، إذ كان يسعى لتحسين دخله عبر الشرح والتدريس لتلميذه الآخر.
أما الثاني فهو رجل ثريّ ثراءً لا يُحدّ، شاب فى الثلاثينيات، واسع القصور، لكنه — رغم ذلك — لم يحصل على مؤهل علمي يرفع قدره بين الناس، فكان يلجأ إلى الأستاذ ليدرس، سواء فهم أم لم يفهم؛ فالمهم عنده أن يحضر الامتحان ويحصل على ورقة تُشعره بالزهو والانتشاء
🍽️ جلسة الطعام… وبداية المفارقات
وذات يوم جلسا يتسامران في قصر التلميذ…
جلس التلميذ متكئًا، مادًّا رجله في وجه الأستاذ، وفي يده سيجار فاخر، وقد بالغ في إكرامه.
حيث أمر الخدم أن يُعدّوا لأستاذه خروفًا حنيذًا مشويًا كاملًا، موضوعًا على صينية أرز بسمتي بالمكسّرات.
ثم جاءتهما أصناف الفاكهة والتمور، ثم القهوة العربية… زينة المجالس.
كان الأستاذ يجلس وقورًا، ينظر إلى تلميذه بابتسامةٍ لها معنى…
ابتسامة نصفها شفقة، ونصفها إدراك عميق بالفوارق بين العلم والمال.
🌿 نزهة في الحديقة… وحوار لا يُنسى
دعاه التلميذ للتمشي في حديقة قصره الغناء، وقال متباهياً:
"هل لك قصر تحوطه حديقة مثل هذا؟"
ابتسم الأستاذ وقال:
"لي شقة في عمارة أقطن بها مع أسرتي، ولعائلتنا فيلا عتيقة تطل على النيل…
نلتقي فيها في الأعياد والمناسبات، ونجلس في بهوها نتذكر مجالس الآباء والأجداد…
ومن شرفاتها ننظر إلى النيل فنستحضر أمجادًا وتاريخًا لأجداد لا يمكن عدهم ولا تسعه البرديات."
فنظر التلميذ إلى السيارة الفيات وقال ساخرًا:
"إيش هذه؟! أليس عندك سيارة همر مثل سيارتي؟"
فأجاب الأستاذ مبتسمًا:
"سيارتى هذه بركة أبي… وصنع بلدي… وموفرة في الوقود.
أما الأسفار فلها سيارة أكبر وأحدث…
لكنني لا أشتري إلا ما يكفي بالحاجة؛ فلست في حاجة للتباهي أو الاستعراض."
ثم سأله الأستاذ:
"وإنت… فيم تستخدم سيارتك الهمر؟"
قال التلميذ مفتخرًا:
"أذهب بها للمدرسة، وأحمل في خزانتها الخيمة والطعام والتكييف…
وكل لوازم السهر والمتعة في الصحراء."
قال الأستاذ ضاحكًا:
"يمكن هذا يتم بسيارة (اثنين كبينة)… أفضل وأقل سعرًا وأقل استهلاكًا للوقود."
امتعض التلميذ وقال:
"إني ورثتها عن أبي… الذي ورثها عن جدي… الذي مات منذ أكثر من مائة وثلاثين سنة!"
فضحك الأستاذ وقال:
"يا رجل! لم يكن في أيام جدك سيارات همر… وربما لم تكن قد ظهرت بعد صناعة السيارات!"
😂 المتاحف الأعجوبة… والضحكات التي لا تُنسى
ز
سكت التلميذ قليلًا، ثم قال بحماس:
"تذكرت! أذهب بسيارتي إلى المتاحف الكثيرة اللي افتتحها طويل العمر…
كان أجدادي مخبّيينها… واكتشفنا أن عمرها أطول من عمر الأهرامات!"
قهقه الأستاذ حتى كاد يسقط، ثم شرق شرقة كادت تودي به، لولا أن أغاثه الخدم بشربة ماء.
ولما أفاق قال له بلهجة عامية ساخرة محببة:
"يِخرب مُطَنَّك… مكنتّش أعرف إن الفلوس بتعمل من الفسيخ شربات!"
ثم أكمل الأستاذ:
"ومتاحفكم هذه… كم زائرًا أجنبيًا يقصدها؟"
قال التلميذ:
"كثير! ملايين العمال… من بنجلاديش والهند وباكستان… ومصريين وسودانيين…
يروحون هناك حيث تُوزع التمور والوجبات."
قال الأستاذ:
"وهل سمعت عن المتحف الكبير في مصر؟"
قال:
"سمعت… بس الدنيا كانت مشغولة بمتاحفنا."
قال الأستاذ:
"تقصد العمال اللي ذكرتهم؟"
ثم قال:
"تعرف كم ملك ورئيس ورئيس وزراء ورؤساء وفود رفيعة المستوى حضر الافتتاح؟"
قال التلميذ:
"كم يعني؟"
قال الأستاذ:
"تسعة وسبعون."
فقال التلميذ:
"بس طويل العمر ما حضر!"
فضحك الأستاذ ضحكة كادت تعيده للشرقة، لولا أن أغاثوه بالماء
ثم قال الأستاذ:
"تعرف أن المتحف يزوره يوميًا عشرون ألف زائر؟
والأجنبي يدفع 1450 جنيهًا للتذكرة… ولا تُوزع هناك تمور ولا وجبات!"
قال التلميذ:
"سهلة… كم تساوي بالدولار ولا بالريال؟"
قال الأستاذ:
"اصبر… سيعود الجنيه كما كان بثلاثة دولارات ونصف… أو أربعة ريالات."
ثم دعاه:
"تعال… أدعوك لزيارة المتحف على حسابي…
تتعلم التاريخ… وتقف على الحضارة…
وتتعلم فوق هذا كيف تُدار الحوارات."
🏁 خاتمة المشهد
تركه الأستاذ واقفًا أمام الحقيقة:
أن العلم يعلو… وإن قلّ المال،
وأن الجهل يهبط… وإن علت القصور والهمرات.
🌿 الحكمة الختامية
العقل نور… والمال خادم له.
فإن تقدّم المالُ على العلم جعل صاحبه تابعًا لوهم كبير،
لا يحميه من السقوط مهما كثرت الأموال واتسعت الخزانات.
#كامل_النحاس