في وداع الزمن:
رحلة الروح نحو يقظة الوجود
كل نهاية عام ليست مجرد رقم يُطوى، بل لحظة مواجهة مع الذات، حيث يلتقي الإنسان بمرآة وجوده.
أقف في هذا اليوم الهادئ على حافة العام المنصرم، كواقفٍ على شاطئٍ زاخرٍ بذكريات الأمواج.
أراقب آخر موجات 2025 وهي تتراجع نحو بحر الأبدية.
بين يديّ ليست مجرد لحظة تقويمية، بل هدية من هدايا الوعي التي يمنحها لي الزمن.
وأدعوكم، أيها القادمون من أعماق أحلامكم، إلى رحلة نصعد فيها معًا سلّم التأمل، ننفض غبار العادات عن أرواحنا، ونشرع نوافذ القلب لتدخل أنفاس عامٍ جديد.
لنشهد التحولات الداخلية التي تشرق منها كل بداية حقيقية.
وداعًا لأيامٍ مضت كحلمٍ بين جفنيّ الذاكرة، تحمل في ثناياها همسات الدروس، وعِبَر الألم والفرح.
إنّي، في هذه العتبة الزمنية الفاصلة، أرى 2025 ككتابٍ أغمض صفحته الأخيرة بيدٍ رفيقة، ممتنًّا للحكمة التي خطّتها الأقدار.
ومستعدًّا لأن أبدأ فصلًا جديدًا بمداد إرادتي.
هذا اليوم ليس محطة نهائية، بل مرآة أتأمل فيها وجه مسيرتي.
حيث يلتقي الماضي بالمستقبل في بوتقة اللحظة الحاضرة… لحظة الوعي الصافي التي لا ينتمي فيها القلب إلا للحقيقة.
لا أريد لهذا الوداع أن يكون مرثاة، بل نشيد تحول.
فالحقيقة التي تتجلّى لي هي أن التحسّن المنشود لا يسكن في رحم الأيام القادمة، بل في أعماقي أنا.
التقويمات أوعية فارغة، ونحن الذين نملؤها بعطر خياراتنا وألوان مشاعرنا.
والطريق الوحيد الذي يستحق السير هو طريق القلب.
طريق اتباع نور الحب في كل خطوة.
فهو البوصلة التي تهدي إلى ميناء السلام، وهو المطر الذي يغسل صخور العقبات ليحوّلها إلى جواهر من الدروس والتجارب.
ومن هنا، أغامر بالتألق.
لأن العالم المعتم أحيانًا ينتظر شرارة من ضوئي كما ينتظر شرارة من ضوئكم.
أغامر بأن أكون "أنا" بكل ما تعنيه الكلمة.
فالكون العظيم لم يكرر وجهي ولا روحكم.
وفي هذا التفرد تكمن مسؤوليتنا الجليلة وجمالنا الأصيل.
أفتح قلبي لحب ذاتي، لا حبًا أنانيًا، بل حبًا راعيًا يكون الأساس المتين الذي منه ينبع اللطف للعالم أجمع.
وأحتضن الحياة بكل ما فيها: ألمها الذي ينضج الروح، وفرحها الذي يجدّد الوعد.
وأتخلى، كالشجرة الحكيمة، عن كل ورقة يابسة لم تعد تخدمني… عادة بالية، فكرًا مُثقِلاً، علاقةً لم تعد تُثمر.
لأفسح المجال لربيع داخليّ ينبت تحت ثلوج التغيير.
وأرتاح إلى نفسي.
فهذه الراحة هي القلعة التي لا تهزمها عواصف القلق الخارجي.
ومن هذا المنبع، أزرع الخير واللطف في كل أرض أطؤها.
واثقًا أن ما نرسله إلى الكون يعود إلينا صداه، ممتدًا كدوائر الماء في بركة الوجود.
أمنح نفسي هدية الراحة والطمأنينة، لأن حياتي وحياتكم تستحق أن تكون قبلة للجمال، لا معتركًا للتذمر.
هذا هو جوهر الوعي الذي أدعو إليه: تحول جذري يربط نهاية العام ببدايته، لا كقطع منفصلة، بل كحلقات ذهبية من النمو المتصل.
ولن أدخل 2026 بتهانيات جوفاء تُقال ثم تُنسى.
بل سأدخلها بكلمة واحدة أهمسها لنفسي وأصرخ بها لروحي: "كُن".
كن أفضل نسخة منك.
فالسعادة ليست ضيفًا يطرق الباب من الخارج، بل نبتة تنمو من تربة القلب حين نسقيها بقبول الذات وتوجيه القصد نحو الخير.
ولهذا… قبل أن أخطو، أتوقف.
أقف في صمت أمام مرآة العام الماضي.
أُجري جردًا لروحي: أي أخطاء كانت معالِجي؟
وأي فضائل كانت زادي؟
أتأمل سلوكياتي كما يتأمل الصائغ الذهب، لأستخلص العبرة وأصقل المسار.
فالحياة مسرح عظيم، وكل عام ستارة تُغلق على فصل لتفتح على آخر.
وأنا الممثل والمؤلف والمشاهد في آنٍ واحد.
ومسؤوليتي أن أبدع في دوري، وأن أتعلم من كل أدوار الأمس لأقدم غدًا أداءً أكثر إشراقًا وإنسانية.
وكما أن التلميذ لا ينجح إلا بالمراجعة والاجتهاد، والزارع لا يحصد إلا بما يرعاه بصبر ويقين، كذلك أنا.
لا أنتظر من السنة الجديدة أن تكون ساحرة تحمل لي الخير بلا جهد.
بل أرى أن واجبي أن أكون أنا التغيير الذي أبتغيه.
فالفشل لا يقع على عاتق الزمن، بل حيث ينام الوعي، ويتراخى الجهد، ويغيب الحب لمسار الروح.
وفي وداعي لـ 2025، أرى كيف كانت كل تجربة حتى تلك التي كسرتني ظاهرًا إزميلًا في يد النحات الخفي، يُخرج من صخرة وجودي شكلًا أقرب إلى الحقيقة.
فالزمن ليس عدوًا، بل هو النهر الذي يحمل قاربي إن تعلّمت كيف أرفع شراع الوعي وأوائم بينه وبين ريح القبول.
ولنتخيل الحياة لوحة فنية.
كان عام 2025 لوحة تمزّقني بعض ألوانها وتبهجني أخرى.
والآن، بين يديّ لوحة 2026 بيضاء… وأنا من يختار ألوانها.
سأختار أزرق الرجاء، وأخضر النماء، وذهبي اللطف، وأبيض الصفاء.
وسأرسم بلون الشجاعة وجَلَد القلب، لأن الفن الحقيقي هو أن نصنع من أيامنا عملًا يُلهمنا ويُلهم من حولنا.
كما يولد الطفل في براءة دهشته، وكما تتفتح براعم الربيع بعد صقيع الشتاء، كذلك يولد فينا كل عام بذرة جديدة تنتظر أن نسقيها بالوعي والحب.
فالزمن ليس فقط حكاية فردية، بل ذاكرة جماعية، نكتبها معًا بأفعالنا، ونورثها للأجيال القادمة كإرث من الحكمة والكرامة.
وهكذا، أيها المسافرون معي في قطار الوجود، لن يكون وداعنا لـ 2025 حزنًا، بل امتنانًا.
ولا استقبالنا لـ 2026 خطوة عمياء، بل خطوة واعية في رحلتنا نحو النور الداخلي.
أتمنى لي ولكم عامًا لا يكون مجرد رقم جديد، بل صفحة نكتبها بخط اليد الهادئة، والقلب الواعي، والروح التي تطمح أن تكون أكثر مما كانت عليه أمس.
فلنودع العام الماضي بابتسامة الحكيم الذي تعلم، ولنستقبل الجديد بترحاب الطفل الذي يتعجب.
فالنهاية، في حقيقة الوجود، ليست سوى بوابة لبداية نعيد فيها اكتشاف أنفسنا من جديد.
وهكذا، لا يكون وداع الزمن انقطاعًا، بل عبورًا نحو يقظة الوجود، حيث نكتب معًا فصولًا جديدة من الرحلة الإنسانية.
إلى لقاء تحت شمس الغد الواعدة.
بقلم:
د. محمد شعوفي