العِطر المَلَكي
*************
في المسافة ما بين النبضة والنبضة
تسكن أشياء تتجاوز الرؤية
العطر الملكي..
تلك الهالة الملكية التي تحيط بالنبلاء
حضورٌ تستشعره الأرواح..
وقارٌ يسير على استحياء
سكينة تعبر القلوب دون استئذان
عطرٌ يقطر..
من صراعات النفس وانتصاراتها
هو سطوة النَّقاء في زمن الزيف
هو التاج الخفي ..
لمن خاضوا معاركهم مع الذات..
وخرجوا بقلوبٍ أنقى
هو نتاج احتراق الأنا لتخرج الفضيلة
هو عطر المعارك الداخلية..
التي تنتصر فيها القيم على الرغبات
هو تتويجٌ لروحٍ عبرتْ مَضيقَ الامتحان
صهرتْها التجربةُ..
فخرجتْ شفافةً كدمعة
صلبةً كالماس
يُعتّقُ هذا الأريجُ في حُجراتِ الصمت
حينَ يبتسمُ الصدقُ.. ولو كانَ مُكلفاً
وحينَ ينحني العدلُ على جُرحِ الضعيفِ..
ولو كانَ مُتعباً
وحينَ تهبُ الرحمةُ ليلَها.. لِمن لا يملكُ رداً
وحين تثبت على القيم ولو تمايلت القمم
إنها الحربُ المقدسةُ في الداخل
بينَ ما نَشتهي فِعلَه.. وما يَليقُ بِنُبلنا
أناقةُ النفسِ.. أن تَعلوَ دونَ ضجيج
أن تكونَ عميقاً كبحرٍ.. هادئاً كفجر
أن تكون قويَّاً.. دون قسوة
وعميقاً.. دون غموض
نقيَّاً.. دون ادِّعاء
أن تكسر الأيام فيك زوائد الإدِّعاء
لِتُبقي فيكَ جوهرَ الإنسان
هو أثرُ السجدةِ..
حينَ تَفيضُ بَرداً على الروح
وهيبةُ الدُّعاءِ حينَ يترفعُ عن الأنا
الرِّفعةُ تُشترى بالصبر
والسموُّ في الثبات
الملكُ الحقيقيّ..
مَن يَمسكُ لجامَ نَفْسِه عندَ المنحدر
يَمتلكُ صمتَه.. كما يمتلكُ الكلمة
يُتقنُ فنَّ الانسحابِ بكرامةِ الفرسان
ويعرفُ كيفَ يقفُ شامخاً.. دونَ أن يدوسَ ظِلاً
هذا المسكُ.. لا يفوحُ في الزحام
ربما يطلُّ من تفاصيل صغيرة..
في سِترِ عَيبٍ.. في ردِّ مَظلمةٍ في الخفاء
في كرمٍ يجهلُ الالتفاتَ لِكلمةِ شُكرٍ..
وفي اعتذارٍ نقيٍّ.. لا يرتدي ثوبَ التبرير
من ملك نفسه.. ملك الوجود
ومن كان عطره أخلاقه
كانت نفسه مملكة عصية على الغزو
وحينَ يمرُّ صاحبُ العطرِ الملكيّ
تَشهقُ الأرواحُ فيهِ بطمأنينةٍ غامرة
كأنَّ لسانَ السريرةِ يقول:
هنا مَرَّ إنسانٌ.. سَلِمَ قلبُه
فليسَ كلُّ من وُضِعَ لهُ التاجُ.. ملكاً
ولا كلُّ من حُيّيَ بالألقابِ.. عظيماً
العظيمُ حقاً..
مَن صارَ خُلُقُه عِطراً
وقيمُه أثراً..
بقلم :حنان أحمد الصادق الجوهري