"ضيقُ الرؤية واتّساعُ البصيرة"
لا أميلُ إلى الغوص لأن العمق فضيلة،
بل لأن السطح بارعٌ في إقناعك بأنه كافٍ.
هناك، كلّ شيءٍ يلمع بما يكفي ليبدو مكتملًا،
حتى النقص… يتقن الظهور كأنه لم يكن.
السطوح لا تكذب،
لكنها تختصر الحكاية إلى حدّ يُسيء إليها.
تعطيك جوابًا سريعًا،
وتترك السؤال يتخمّر بعيدًا… حيث لا يصل الضوء.
في العمق،
لا تسقط الأشياء في الغموض،
بل تنجو من التعريف.
تفقد أسماءها كما تفقد القشور وظيفتها،
وتصير أقلّ تحديدًا… وأكثر احتمالًا.
هناك،
حين تحاول أن تُمسك المعنى كاملًا،
تشعر به يضيق بين يديك،
كأنك كلما أوضحته أكثر… خسر شيئًا منه لا يعود.
لم أتعلم النظر لأفهم،
بل لأفلت قليلًا من فخّ الفهم.
فالمشهد الذي يستقر بسرعة
يخفي ارتباكه جيدًا،
ويُمرّر نقصه بثقةٍ لا تُراجَع.
كل إطارٍ يبدو بريئًا
هو يدٌ خفيّة
ترتّب ما ينبغي أن يُرى،
وتؤجّل ما لا يليق بالوضوح،
وكأن العالم يُعاد تقليصه داخل حدودٍ لا ننتبه لها إلا متأخرين.
النوافذ لا تخون،
لكنها لا تُري إلا جهةً واحدة من العالم.
تفتح لك زاويةً نظيفة،
وتغلق—بأناقة—ما عداها.
لهذا،
كلّما اتّسعت الرؤية،
شعرتُ أنني أرى أقلّ مما يجب.
ليس لأن العالم يضيق،
بل لأن المعنى حين يُحاصر بالوضوح
يفقد قدرته على التفلّت،
ويصير أكثر طاعة… وأقلّ حياة.
ثمّة لحظة—حادّة ككسرٍ داخلي—
تتوقف فيها الأفكار عن كونها أفكارًا،
وتتحول إلى شظايا تعكسك من زوايا لا تشبهك.
تسمع في رأسك صوتًا خافتًا يتشقق،
كزجاجٍ يُضغط عليه من الداخل،
ويمتدّ فيه صدعٌ بطيء…
لا يُرى، لكنك تشعر به يمرّ فيك.
تمدّ يدك لترتيبها،
فتنزلق أكثر…
وتدرك، فجأة،
أنك لا تعيد بناء المعنى—
بل تتفكك معه.
عندها،
لا يعود السؤال: “ماذا أرى؟”
بل: “كيف كنت أحتمل هذا القدر من الوضوح دون أن أشك؟”
لهذا لا أبحث عن مشهدٍ أنقى،
بل عن ارتباكٍ لا يُخفي نفسه.
لا عن نافذةٍ أوسع،
بل عن عينٍ تتحمّل أن ترى… دون أن تُغلق ما بعدها.
الرؤية لم تعد امتلاكًا،
بل تخلٍّ تدريجي:
عن يقينٍ سهل،
وعن نهايةٍ جاهزة،
وعن وهم أن المعنى يمكن أن يُقال كاملًا.
أعبر، لا لأصل،
بل لأفقد كلّ ما أقنعني أنني وصلت.
ولهذا،
تضيق النوافذ بي…
لا لأنها صغيرة،
بل لأنها تطلب مني—بهدوء—أن أكتفي.
وأنا،
كلما اقتربتُ من الاكتفاء،
أشعر أن شيئًا في داخلي
ينسحب خطوة إلى الخلف…
لا ليهرب،
بل ليترك للمعنى
مساحةً لا تُرى.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪