الاثنين، 15 نوفمبر 2021

إضاءات نقدية للشاعر جمال عتو

إضاءات نقدية للشاعر جمال عتو

نلتقي اليوم كعادتنا في فقرة إضاءات نقدية بمنتدى نبض القلم للشعر والأدب متناولين نصا قصصيا قصيرا موسوما ب" حين تتشابك الخيوط للكاتبة العراقية ليلى عبد الواحد المراني 


***************                            *****************

حين تتشابك الخيوط.../. قصة قصيرة

بقلمي: ليلى عبدالواحد المرّاني 


حاول أن يسترخي على كرسيّه الجلدي، ونظرات صديقه تطارد شروده مستفهمةً. 

قلَّب الأوراق المتراكمة على مكتبه بضجر، جامعاً كلّ خيوط المشهد في محاولةٍ لإعادة نسجها من جديد. ببطءٍ متثاقل أخذ شريط الأحداث يدور في رأسه المتعب. 

" أتابعك كلّما ظهرتَ على شاشة التلفاز، أقرأ كل ما تكتب، وأنا من أشدّ المعجبات بك، وهنَّ كثر "

تلعثم، وهمهمةٌ غير واضحة أطلقها، وبانسيابيّةٍ محبّبة حسدها عليها، استرسلت. 

" بدايةً عرفتك عن طريق والدتي".. 

مطارق ثقيلة تهوي بعنفٍ على رأسه، هي إذن تظنّه حسّاناً أخاه. 

اللعنة، قالها في ضيق.." ألم أخرج من عباءةِ حسّان؟ هل عليّ أن أبقى مختفياً تحت ظلّه؟ الشبه بيننا كبير هذا صحيح، لكنني أكثر وسامةً منه، وأكثر بلاهةً، بل أنا الأبله الوحيد في هذا الكون !"

 تابع شريط أحداث الذكريات ..على غير عادته، لم ينتظر سيارة الدائرة تقلّه من منزله إلى الوزارة، خرج إلى الشارع.. خيوط الشمس دافئةً تتسلل تحت ثيابه، وشعور لذيذ بالخدر والانتعاش ينتابه . عند إشارة المرور  سيّارةٌ فارهة توقّفت، نظرةٌ سريعةٌ ألقاها على الفتاة الأنيقة في المقعد الخلفي تبتسم له، خفق قلبه.. 

مسترخياً على كرسيّه يتذكر لهفته في صبيحة اليوم الثاني. مسرعاً تناول معطفه غير عابئ بتذمّر زوجته، ونظرة دهشة تستقرىء سر لهفته، هو نفسه لم يدرك لتلك اللهفةِ معنى، سوى رغبة شديدة لرؤية تلك الصغيرة الأنيقة ثانيةً تلوّح له بيدها الرشيقة، مبتسمةً..

أخيراً رأته، الخال الذي حلمت أن تراه. هادراً بصوت عميق تشاهده على شاشة التلفاز، يلقي أشعاراً لم تكن تفهم معظمها، وصوت أمّها مفتخراً، " هذا حسّان ابن عمّي " زادها تعلُقاً به، وحلمٌ بعيد أن تلتقيه يوماً، وها هو أمامها، وهو يسأل نفسه في دهشة.." يا لهذه الطفلةِ الغريرة، أنا الأربعيني، أبٌ لثلاثة أبناء وزوجٌ  لامرأةٍ أرتاح إليها وأطمئن، ما الذي يحدث معي؟ أمراهَقةٌ جديدة هي؟ ".. والصغيرة تبتسم وتلوّح بيدها مودّعة..

عاد من رحلته، وسحب نفساً عميقاً..  مغمضاً عينيه.. غاص في كرسيّه الوثير. 

زوجته في اليوم الثالث تولول.." أين أنت ذاهب؟ إنها تمطر بغزارة وأنت محموم." مسرعاً ارتدى معطفه، وتناول مظلّته وصوتها يلاحقه.. " كنت تهذي طوال الليل. "، جفل مرتعباً وواصل تسبق لهفته خطاه..

والصغيرة تحلم برؤياه ثانيةً.." سأطلب منه ديوانه الأخير بإمضائه. "

دعاءٌ خجولٌ يهتف في صدره ،ألاّ تأتي وتعفيه من هذا الصراع والتخبّط.

ببطء مرّت سيّارتها من أمامه، وعلى بعد بضعةِ أمتارٍ توقّفت. كمن يسير في نومه تحرّك حين أشارت إليه. المسافة بينه وبينها تتّسع وكأنّها دهور، وكأن يداً خفيّةً تمسك به وتسحبه إلى الوراء، ركض نحوها في إصرار، لاهثاً.. مبلّلاً.. ألقى بجسده على المقعد الخلفيّ . مسافة شبرٍ أو ثلاثة تفصله عن ملاكه الصغير..  "صباح الخير " خرجت من بين شفتيه ترتجف، وصوتٌ كتغريدة طير تسلّل عذباً شهيّاً إلى مسمعه.." صباح النور .. أهلًا خالي ". 

غاص رأسه. بين كتفيه…

____________________""""""""""""_____________________


نصنا لهذا اليوم اشتغل على المفهوم العاطفي وأثره على نفسية الولهان في ظرفية عصية على الفهم ، فبطل قصتنا على مايبدو أخذ طيف مراهقة جميلة لبه وأدخله في حالة الشرود والتيهان ، وهو الرجل المتزوج وذو أبناء ، لسبب أن الفتاة التي أخذت نصيبا من الرشاقة واللطف كلما رأته إلا  وابتسمت في وجهه ولوحت إليه بيدها ، البطل كان يدرك مسبقا أنه وقع للفتاة تشابه مع أخيه الذي لم يكن سوى شاعرا يظهر على شاشة التلفاز ، الفتاة تؤكد هذه الحقيقة عندما قالت له يوما : " أتابعك كلما ظهرت على شاشة التلفاز ، أقرأ كل ماتكتب ، وأنا من أشد المعجبات بك ، وهن كثر " .

الرجل سيتنكر لهذا التشابه ويرضى لنفسه انتحال شخصية أخيه لبلوغ مراده والفوز بقلب الفتاة ، فهل يبلغ الوله والشوق حد تنكر الإنسان لنفسه ليبلغ مناه ؟ ذلك ما انطبق على بطلنا في مشاهد صورتها الكاتبة بدقة عندما لم يعد يبدي اهتماما يذكر لوجود زوجته وهو يتعقب تحركات الفتاة .

الفتاة عرفت الشاعر من خلال والدتها التي أسرت إليها بأمر فقد صارحت البطل يوما : " بداية عرفتك عن طريق والدتي " ، ولم يكن هذا الشاعر سوى أخاه حسان الذي يظهر على شاشة التلفاز وهو يقدم أعماله ، ولوجود الشبه البليغ بينهما حسبته هو ، البطل يكتم هذه الحقيقة ويتقمص دور أخيه الشاعر .

يمتدح البطل نفسه في لقطة فريدة عندما يصف ذاته بأنه أوسم من أخيه ، فالإنسان يكون في لحظات مدفوعا نحو تقديس الأنا لبلوغ أهدافه ، وهو لا يعلم عواقب ذلك ، فكيف سيكون حال البطل هاهنا إذا وجد نفسه أمامها وهي تخاله شاعرا ، لم يفكر في هذه اللحظة القاسية بل انساق نحو قلبه فقط وتجاهل عقله .

ستنقلنا الكاتبة الى صدمة النص وإن كان هنا عبر مشاهده ترتيب نفسي لتلقي النهاية الغير السارة ، وهي عندما يقترب الولهان من الفتاة الجميلة ذات صباح وهي مستوية في المكان الخلفي من سيارتها ، يحييها فتبادله قائلة : 

" صباح النور .. أهلا خالي " ، فتكون الخيبة نصيبه بوصف بليغ من الكاتبة : " غاص رأسه بين كتفه " في إشارة إلى النكسة المشوبة بالخجل والنكوص .

النص الذي بين أيدينا وان اشتغل كما أوردنا على المفهوم العاطفي فمن تجلياته يسلط الضوء على العشق الذي يراود الشخص في الكهولة أو قبل ذلك بقليل ، فالبطل رجل متزوج ذو عيال ومعشوقته تكاد تكون في سن أحد أبنائه ، فهل كان ينقصه الحب أيا ترى ؟ وهل زواجه لم يكن عشا دافئا يغنيه عن ملاحقة فتاة مراهقة ؟ ، وهل كان مصابا بمراهقة الأربعين ؟ وهل انه لم يحب في حياته إلا عندما ظهرت الفتاة وامتدحته فخفق قلبه لها ؟ ، ثم انه استطاع أن يبقى منتحلا لشخصية أخيه الشاعر مادامت الفتاة معجبة بأعماله ، وأيضاً في رأيه هل كان إعجابها " به " كافيا لكي تتعلق به لاحقا ؟

النص يقودنا إلى العراك الذي ينشب منذ الأزل بين القلب والعقل ، فالفرق بينهما هو الذي يجعل صاحبهما في حيرة قاتلة .

ثم أن الفتاة من جانبها هي معجبة بالشاعر وتريد التعرف عليه عن قرب لأنها تعتبره خالها مادام هو ابن عم والدتها .

النص يسلط الضوء على معاناة الزوج وانعكاسها على البيت عندما يفقد الاستقرار الأسري بوصلته ، فالزوجة هاهنا لم تدر سبب شرود وتيهان زوجها لكنها على مايبدو كانت قلقة للغاية

كما أن النص في اشتغاله على العمق الاجتماعي ومدى تأثره بالمنحى العاطفي نجح في تقريب مراد الكاتبة من سردها الممتاز وهو سرد ركن إلى الانسياب على مستوى الإحساس والشعور والعاطفة والاندفاع والتهور .

النص الذي بين أيدينا استجاب إلى محاور القصة من بداية ونهاية وشخوص وزمان ومكان وعقدة وانفراج واستدعت الكاتبة فيه الحوار الهادف والذي اشتغل على التشويق والنهاية أيضا .

أسلوب كاتبتنا جنح الى المتانة والسلاسة التي تشد القارئ طوعا إلى بلوغ المقصود .

ويبقى نصنا لهذا الأسبوع مهما للحيثيات التي أوردناها ، إلى أن نلتقي مع نص آخر في الأسبوع القادم نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق