اللقمة الأخيرة
وقف أبو حسام عند باب بيت العزاء يراقب الداخلين،
يوزع الابتسامات الثقيلة التي تخفي تحتها جبال الحزن.
كانت قدماه ترتجفان من طول الوقوف، وعيناه محمرّتان من السهر منذ رحيل زوجته. لم يذق لقمة طعام منذ ليلة البارحة، فالحزن كان يقتات على بقايا صبره.
في الداخل، امتلأت الصالة برجالٍ يتبادلون العزاء والحديث عن الدنيا،
وبعضهم يحدق في ساعته بانتظار ساعة الغداء. وعلى الجانب الآخر،
أبناؤه الثلاثة يتحركون بين الطاولات بأوجه شاحبة، يحملون كؤوس الماء وقطع الخبز وكأنهم غرباء في بيتهم.
كانوا يتهامسون بينهم:
يا ريت نقدر نذوق لقمة رز...
من مبارح ما أكلنا غير كسرة خبز!
وحين جاء وقت الطعام، انطلقت الجموع نحو المناسف الكبيرة، تتهاوى الأيادي على اللحوم والأرز كأسراب من الجراد.
لم يسأل أحدٌ: وين أولاد المرحومة؟
لم يفكر أحد أن الزوج المكسور القلب لم يذق لقمة واحدة منذ وفاة شريكة عمره.
جلس أبو حسام في زاوية بعيدة يراقب المشهد، يلتقط كلمات عابرة من أحد الجالسين على رأس المنسف:
يا زلمة...
لو فيه شوية مخلل كان الأكل صار أطيب!
ابتلع أبو حسام غصته،
وابتسم ابتسامة مرة وهو يتمتم في سره:
رحلت أم حسام...
وأخلاق الناس رحلت معاها.
في تلك اللحظة، اتخذ قراره. أقسم بينه وبين نفسه أن لا يقيم مأدبة عزاء إذا سبقه الموت،
وأن تكون وصيته لأولاده واضحة:
لا منسف...
لا وليمة...
خلي الناس تترحم وتروح.
الكرامة أغلى من الأكل.
رفع بصره إلى السماء، مسح دمعة سالت على خده، ثم نهض بخطى بطيئة نحو غرفة صغيرة حيث وضعت له ابنته كأس ماء وبعض الخبز اليابس...
ليأكل لقمة أخيرة في يوم طويل،
وهو يشعر أن الضيوف أكلوا كل شيء،
حتى الحزن.
سالم حسن غنيم
حكّواتي الوجدان الشعبي
من مجموعتي القصصيه
حكايا من ورق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق