في ليلة تذوب فيها المدن في صمتها جلست ميلينا إلى مكتب يبتلع صبره بلا أنين والساعة العاشرة تمتد على الجدار جرحا لا يغلق والضوء ينحدر فوق الورق ندبة تبحث عن اسم الممحاة غابت وتركت مكانها فارغا مثل باب انكسر وحين رفعت الصندوق الصغير انفتح منه عمر كامل صور تحمل رماد الضوء شرائط تحرس بقايا صوت مكسور ورود يابسة تتشبث بأثر يد ابتعدت قوارير عطر هاربة من ليل سقط نافذة بلا سماء سلسال يلمع بنفس مكسور خاتم من أعشاب تنام على حافة الغياب أغلقت الغطاء فانفتح قلبها وتدفقت منه ممرات باردة خطواته تتردد فيها صوته يتسرب منها يداه تنسحب فوق ليل طويل لا نهاية له الكلمات لا تحتاج إلى أفواه كي تولد كانت تنزف من العيون وتسقط بلا إذن وتتمدد فوق المسافة التي جمعت جسدين يتقاسمان صمتا واحدا بيتهما المطل على البحر يفتح بابه في ذاكرتها جدران تحفظ ملح حضوره مقعد يحتضن آثاره مدخنة ابتلعت آخر دفء قبل احتراقها هواء يضبط أنفاسه عليها أرض ترتج كلما لامست يداه كتفيها جلست قربه ورأسها فوق نبضه والجسد يهبط نحو عمق لا يفهم الزمن العناق يتكور حولهما ويتمدد ويلتهم الأيام ويمحو الحدود وأنفاسه تنقذها من تآكل روحها وتجمعها من شتاتها وتحملها إلى ضوء لا يعرف الانطفاء وحين حاولت طرد الذاكرة ارتدت إليها كطعن يعود إلى صاحبه النسيان خيانة والخيانة باب يفتحه الغائب ليدخل منه الغياب مضاعفا وهكذا انشق الباب ووقف أمامها بنفس الضوء وبنفس الخطوات مد ذراعيه فاندفعت إليه التحمت به التصقت به كمن ينجو للمرة الأخيرة احتضنته بعمق يحفر في الليل ممرا لا يرى
هيفاء بن مفتاح
تونس
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق