فَمُ الأوجاعِ
✍️ سيد حميد عطاالله الجزائري
لَم يَبقَ شَيءٌ مِن صَدَى الإيقاعِ
إلّا ارْتِطامُ الرِّيحِ بالأصقاعِ
كُلُّ الوُجوهِ تُعيدُ وَجهَكَ ضاحِكًا
كَيْ تَستريحَ بِعابِرِ الإشْعاعِ
غَنّى الفَراغُ على شَواطِئِ لَحظةٍ
وتَراقَصَ التَّابوتُ عندَ وِداعِ
اُجْتُزِئَتْ مِن العُمْرِ المَديدِ مَشارِفٌ
لَم يَكْتَمِلْ ما ظَلَّ في اسْتِقْطاعِ
ما لِلْحَياةِ بها يُطاعُ مُعاقِرٌ
أمّا المَصونُ بها فَغَيرُ مُطاعِ
تَتَقَدَّمُ اللَّحظاتُ نَحوَ هَزيعِها
وتَعودُ مِن تَعَبِ المَسيرِ ذِراعِي
وسَلالمُ الأيّامِ يَرجو صاعدًا
لَكِنَّهُ يَهوي بلا إمتاعِ
كَم مَرَّ ظِلُّكَ في المَرايا خافِتًا
يَشكو انْحِسارَ الضَّوْءِ مِثلَ شُعاعِ
حَتّى تَدَلّى الصَّمْتُ بَعدَ حِكايةٍ
نُسِجَتْ بآخرِ جُملةٍ بِيراعي
يَمشي الأَسَى في داخِلي مُتَسَلِّلًا
كَالرَّملِ يَدخُلُ مِن شُقوقِ صُداعِي
والرُّوحُ تَلبَسُ ما تَبَقّى مِن رُؤًى
وتَجُرُّ أطرافَ النَّدى بِدُماعِ
إنّي رَأيتُ الوَقْتَ أعرَجَ واقِفًا
يَخطو، ولكن لا يَجيءُ بِراعِ
واللَّيلُ يَلهَثُ كَي يُعيدَ نُجومَهُ
فَتَذوبُ في حَلقِ المَساءِ ضِياعِي
ما عاد يُنصِتُ للنِّداءِ سَبيلُهُ
فالصَّوتُ مُنكسِرٌ بلا إسراعِ
شَيءٌ يَشُقُّ الأرضَ مِن وَجعي لَهُ
وبَدا شُعاعُ الهمِّ أيَّ شُعاعِ
قَد كان بي ما لا يُفَسِّرُهُ الأَسَى
حَتّى تَسَرَّبَ مِن فَمِ الأوجاعِ
والأُمنياتُ على الطَّريقِ تَناثَرَت
مِثلَ الحَصى في كُفِّ طِفلٍ واعٍ
أَمشي وتُطفِئُني الجِهاتُ جميعُها
كَالمشعلِ المُغتالِ في إشْعاعِ
يا أيُّها المَنفى المُقيمُ بصَدرِنا
هل فيكَ يُكتَبُ آخِرُ الإبداعِ؟
لو أنَّ هذا الكَونَ يَفهَمُ صَرخَتي
لَرَمى إلَيَّ بآخرِ الأسماعِ
لَم تُغلِقِ الأبوابُ خِشيةَ سِجنِها
صُرِعَتْ بِجَنبِ البابِ والمِصْراعِ
انْسَدَلَتْ فَأمْسَتْ كالغُروبِ حَزينةً
قَد جَرَّها طَرَفُ الهَوى المُضْياعِ
تَهوي على كَتِفِ المَساءِ ظِلالُها
ولَها صَريرٌ مِثلَ صَوتِ جِياعِ
وتَشُقُّ مِن صَدرِ السُّكونِ حِكايةً
تَنسابُ مِثلَ الماءِ في الإيقاعِ
ما عاد يَحمِلُها الطَّريقُ لِوجهِهِ
فَالخَطوُ يَرميها إلى الإقلاعِ
سَألتُ سُلوكَ سُلوها فَتَسَلَّلَت
أنفاسُها في سَلْوَةِ اسْتِطلاعِ
حَتّى مَدَدْتُ إلى الغَريقِ مَعاصِمِي
فَتَكَسَّرَتْ وَسْطَ البَوَاءِ ذِراعِي
ما عادَ مِن طَوقِ النَّجاةِ سِوى صَدًى
يَرمي إلَيَّ بِنَظْرَةٍ لِوَداعِ
أَلْقَى إلَيَّ قَصيدةً مَخْرومةً
لِيَجُرَّني بالوَهْمِ والأسْجاعِ
أخْفى بِقافِيَتي الفَراغَ لِكَي أرى
ما ليس يُكتَبُ في شُقوقِ الدّاعِ
وغَوى فَسَلَّمَ لي السَّرابَ قَصيدةً
تَمحُو الحقيقةَ في غُبارِ خِداعِ
دَمعٌ تَكَلَّلَ بالوَلاءِ لِوَجنَتي
يَجري على خَدّي بِسَبْعِ ذِراعِ
قَد كان يَنزِلُ في الخَفاءِ مُفاخِرًا
حَتّى غَدا يَستَجْدي مِن أوجاعِي
يَمشي على خَدّي كَضيفٍ مُدَّعٍ
يَغفو، ويوقِظُ في المآقِي صِراعِي
قَد أبحَرَتْ سُفُنُ الدُّموعِ ولَم تَزَلْ
تَجري بِغيرِ عَواصِفٍ وشِراعِ
تَمضي وتَنسى أنَّ بَحرَ مَواجِعِي
لا يُهتَدى فيها لِكَشْفِ ضِياعٍ
حَتّى إذا كادَت تُلامِسُ مَربِضًا
عادَت تدَورُ الخَطوَ في الإيزاعِ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق