✒️ في البحث عن جوهر الأثر: {اعترافات روحٍ تتلمّس طريقها نحو الخلود}
ليست هذه الكلمات محاولة للبوح العابر، بل شهادة روح تبحث عن معناها في عالم يزداد ضجيجًا.
أكتب هذه السطور وأنا أشعر أنّني أقف على تخوم رحلة لم تكتمل.
رحلة لا تحدها ولادة ولا موت.
لأنّها لا تُقاس بحدود الزمن، بل بنوعية الوعي الذي أعيشه في لحظتي هذه.
لطالما تساءلت: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يسقط عنه كل شيء؟
وهل يمكن لروحٍ محدودة العمر أن تصنع أثرًا يتجاوز أعمارها؟
لم أكن أبحث عن الإجابات بقدر ما كنت أبحث عن نفسي.
عن ذلك الجزء الخفي الذي لا يراه الناس.
ولا يلمعه المنصب.
ولا تخدعه المظاهر.
كنت أبحث عن المعنى، لا عن الصورة.
عن الجوهر، لا عن الصدى.
ومن هنا بدأت رحلتي في البحث عن جوهر الأثر…
أقف على أعتاب الوجود، متأملاً في تعقيدات الحياة.
وشعور عميق يغمرني بوحدة المصير نحو هدف قد لا تدركه الأبصار.
أرى الأرواح تتسابق نحو المظاهر الزائلة.
وتتلاشى في متاهات الماديات.
مما يثير في داخلي تساؤلات كبرى حول الوعي والإدراك.
وكانت تلك التساؤلات أشبه بجرس داخلي يوقظ فيّ حاسةً ظننتها خمدت:
حاسة البحث عن الحقيقة.
كنت أرى الناس تركض في اتجاهات متعددة.
بينما كنت أركض إلى الداخل.
إلى أعماقٍ لم أكن أعرف أنّها قادرة على احتوائي بهذا الاتساع.
هناك، اكتشفت أن الضجيج الذي نعيشه ليس إلا محاولة للهروب من صمتٍ نخافه.
لأنه يكشف جوهرنا بلا أقنعة.
أين تكمن تلك الجوهرة الإنسانية التي لا تفنى بمرور الزمن؟
وكيف لنا أن نقيس ما لا يخضع لمقاييس الأرض؟
وأن ندرك ما لا يُرى بالعيون؟
إنها رحلة شخصية قادتني للبحث عن قيمة تتجاوز كل ما هو مادي.
وتسمو فوق الزيف.
لتستقر في رحاب الخلود المعنوي الذي يصنعه الفعل النبيل والصادق.
في كل خطوة كنت أتساءل:
هل نحن نعيش لأنفسنا أم لغيرنا؟
وهل قيمة الإنسان تُستمد من جسده أم من أثره؟
ومن عجب أنني كلما اقتربت من الإجابة شعرت أنّ السؤال أعمق مما أظن.
وأنّ الإنسان لا يُقاس بحاضره بل بامتداد روحه في الآخرين.
أقف أمام مرآة الوجود لأرى ذاتي الحقيقية، لا جسدي.
في سكون الليل، حيث لا يعلو صوت إلا صوت الضمير، أسأل: من أكون حقًا؟
هل أنا المنصب الذي أشغله؟
أم اللقب الذي أحمله؟
أم الرصيد المتزايد في البنك؟
أم عدد المتابعين في العالم الافتراضي؟
كلا، لست أيًا من هذا.
هذه كلها مجرد أزياء أرتديها في المجتمع.
بينما روحي تتنفس في عالم آخر من المعنى.
وحين واجهت نفسي بلا أقنعة، أدركت أن الخوف الأكبر ليس في خسارة ما نملك.
بل في اكتشاف أننا لم نكن شيئًا من الداخل.
فالقيمة الحقيقية لا تصنعها المظاهر.
بل ينسجها العمق الإنساني حين يلامس معاناة الآخر.
ويضيء له دربًا كان مظلمًا.
بعد سنوات من الغوص في أعماق الروح، أدركت أن قيمتي لا تُقاس بمكانتي العابرة أو ممتلكاتي الزائلة.
بل بعمق الأثر الذي أتركه.
لقد وُجدت في هذا العالم لأترك بصمة لا تزول.
لا لأحتل مكانًا مؤقتًا.
فالمكانة تزول كظل الغمام.
بينما التأثير الحقيقي يبقى كالنهر الذي يشق طريقه في الصخر.
وكالعطر الذي يظل عالقًا في الذاكرة حتى بعد رحيل الزهرة.
ولعلّ أجمل ما اكتشفته في هذه الرحلة أن الأثر لا يصنعه الكبار وحدهم.
بل قد تنبعث من قلب بسيط شعلةٌ تغيّر عالمًا بأكمله.
فالنبل ليس حكرًا على أصحاب النفوذ.
بل هو ميراث الروح الحرة التي تتقن فن العطاء.
رأيت بعيني ملوكًا على عروشهم الذهبية، فأصبحت عروشهم قبورًا باردة.
ورأيت رجالًا بسطاء غيروا مصائر أجيال بكلمة صادقة.
الأولون ذهبوا ولم يبق منهم سوى أسماء في كتب التاريخ.
أما الآخرون فما زالوا يعيشون في قلوب الناس، كشموس لا تغيب.
لا أريد أن أكون مجرد اسم في سجل الحياة.
بل أريد أن أكون دفئًا في العظام الباردة.
وصوتًا يتردد في الضمائر الحية.
وبصمة نور لا تنطفئ على طريق الوعي الإنساني.
إنني حين أتأمل هذا الفرق بين العظمة الجوفاء والعظمة الحقيقية، أزداد يقينًا بأنّ الإنسان يصير خالدًا فقط حين يتحول من ذاتٍ تبحث عن مكان إلى ذاتٍ تمنح معنى.
في كل مرة أضع بصمة حب في روح إنسان.
وأساعد قلبًا مكسورًا على التعافي.
وأنير عتمة اليأس.
أشعر أنني أزداد قيمة في مدار الحقيقة، حتى لو كنت في نظر الناس مجرد عابر سبيل.
فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بالكم.
بل بنقاء النية وعمق المسار.
تعلّمت أنّ كلمة طيّبة واحدة قد تفوق أثر كتاب.
وأن يدًا تُمسك بيد متعبة قد تهزم يأسًا متجذرًا.
إنّ أبسط الأفعال، حين تصدر من روح صادقة، تتحول إلى معجزات صغيرة لا يراها إلا الله ومن لُمس قلبه بها.
في لحظات الوحدة، حين تسقط الأقنعة وتتجلى الحقيقة، أسأل: لو تجردت من كل الألقاب والممتلكات، ماذا سيبقى مني؟
سيبقى جوهر مسيرتي.
ما زرعته من خير.
وما غيرته في حياة الآخرين نحو الأفضل.
وما أعطيته من روحي دون مقابل.
هذا هو رصيدي الحقيقي.
كنزي الذي لا يسرقه وهمٌ ولا يفسده دوران الزمن.
ولمّا أدركت ذلك، تحرّرت من هوس المقارنة.
ومن سباق الظهور.
ومن عبودية الاعتراف الخارجي.
صرت أرى أنّ الإنسان كلّما تعمّق في ذاته ازداد تواضعًا.
وكلما تواضع ازداد أثرًا.
لذا، اخترت أن أعيش لأترك أثرًا عميقًا.
لا لأجمع مكانة زائفة.
اخترت أن أكون نهرًا يروي العطش.
وشجرة تظلل على العابرين.
وجسرًا يعبر عليه الآخرون نحو آمالهم، ثم يُنسى وجوده، وهو يبتسم لتمام رسالته.
وهكذا، أدركت أن قيمة الإنسان ليست في ما يملك.
بل في ما يمنح من روح ومعنى.
ليست في الصدى العابر.
بل في البصمة الخالدة التي يضيفها إلى الكون.
عندما نتحرر من وهم الملكية والسعي للمنصب، نكتشف أن أعظم ميراث نتركه هو لمسة صادقة.
ونور بصيرة.
وصدق حركة إنسانية.
هذا هو الطريق الذي اخترته، لأنه الأكثر جوهرية وصدقًا مع الروح.
هو طريق من يزرع الخير في قلوب الناس، ليجد أنه قد زرع في الخلود نفسه.
وهنا، يذوب سؤالي: "من أكون؟" في ضوء الإجابة:
إنني الفعل الذي لا يموت.
والبصمة التي لا تُمحى.
والوجود الذي يستمر من خلال كل حياة لمستها رحمتي.
فإذا مت، لا أريد قبرًا فخمًا ولا تمثالًا.
بل أريد أن يقول أحدهم:
"كان هنا إنسان مر، فأصبحت حياتي بعده أجمل."
وهكذا، كما بدأت رحلتي بالسؤال، أنهيها بالإجابة التي صارت يقينًا:
أن الإنسان لا يُخلّد بسنوات عمره، بل بمساحات النور التي يزرعها في أرواح الآخرين.
بقلم:
د. محمد شعوفي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق