حين تصمت الكلمات:
منذ فجر الإنسانية، ظلّ الصمت قرينًا للكلمة، يرافقها كظلّها، ويذكّرنا بأن المعنى لا يُختزل دائمًا في الحروف.
إنه الوجه الآخر للبيان، والنافذة التي تفتح على ما لا يُقال.
أقفُ اليومَ أمام بياضِ الورقةِ وقفةَ المتهيّب، لا ككاتبٍ فقد أدواته، بل كإنسانٍ أُربكته وفرةُ المعنى.
أرنو إلى قلمي الملقى في سكونٍ تام.
فيتراءى لي كجسدٍ ضئيلٍ بين احتمالين: بعثٍ مؤجَّل، أو مواراةٍ مؤقتة.
وأسأل نفسي بمرارةٍ صادقة:
ما الذي يعنيه حقًا أن يُصاب المدادُ بالخرس؟
ليس هذا السكوتُ نضوبًا في الحبر، ولا ركودًا عابرًا في حركةِ الأنامل.
بل هو موقفٌ وجوديٌّ يتخلّق في دهاليز الروح قبل أن يظهر كفراغٍ موحشٍ على السطور.
إنه لحظةُ مواجهةٍ عاريةٍ مع المعنى، حين يتراجع اللفظ خطوةً إلى الخلف، احترامًا لثقل ما يُراد قوله.
أحيانًا أختارُ الصمتَ لأنني أراه أصدقَ من بلاغةِ المجاز.
فثمّة أوزانٌ تنوءُ بها القلوب، وتعجزُ الألفاظُ عن حملِ أمانتها دون أن تتشقق.
أخشى أن أجرح الحقيقة بعبارةٍ ناقصة.
أو أن أسيءَ إلى كمالِ الجمالِ بوصفٍ متعجّلٍ يختنقُ في ضيقه.
أليس الكلامُ، في كثيرٍ من الأحيان، حجابًا يسترُ من المعنى أكثرَ مما يكشف؟
في تلك اللحظات، يغدو صمتي صرخةً كونيةً صامتة.
وإعلانًا داخليًا بأن بعضَ الحقائقِ خُلِقت لتبقى هائمةً في سديمِ المطلق، تأبى أن تُحاصرَ في أقفاصِ الجمل أو تُكبّلَ بقيودِ القواعد.
أدركتُ أن الفراغَ الأبيضَ بين السطور ليس خواءً.
بل هو الرئةُ التي تتنفّس منها الأفكارُ التي لم تجد جسدها اللغوي بعد.
والمسكنُ السريُّ لكل ما استعصى على التسمية.
وقد تسكتُ أقلامُنا حين يطغى ضجيجُ الظلمِ حتى يكادُ يصمُّ الآذان.
أو حين يتسلّلُ اليأسُ إلى أعماقنا، فنشعرُ أن الحروفَ — مهما بلغت حدّةُ نصلها — قد لا تقدرُ على زحزحةِ جبلٍ من الزيف.
إنه التعبُ المتراكمُ من مصارعةِ عالمٍ أصم، لا يسمع إلا صداه في الغرفِ المغلقة، ولا يفتحُ نوافذه لمن هم في أمسِّ الحاجة إلى نورِ الكلمة.
فهل نكتبُ لنغيّرَ العالم، أم نكتبُ لنحميَ أنفسنا من الذوبان فيه؟
هذا الصمتُ الذي أعيشه ليس انكسارًا ولا هزيمة.
بل مخاضٌ عسيرٌ لإعادةِ تشكيلِ الوعي.
إنه استراحةُ المحارب، يرمّم فيها أنفاسه المتعبة، ويطهّر لغته من شوائب العجلة.
لتخرج الفكرة — بعد طول تأمّل — أكثرَ نقاءً وبصيرة.
فما يُطبخُ على نارِ الصمتِ الهادئ، لا يكون صدىً عابرًا، بل سيفًا قاطعًا حين يحين أوانه.
أتذكّر صمت الطفولة حين كنا نحدّق في السماء، نقرأ أسرار الغيوم دون أن ننطق.
ذلك الصمت البريء كان أول درسٍ في الإصغاء إلى ما وراء الكلمات.
والطبيعة بدورها تعلّمنا أن الصمت ليس خواءً.
فالغابة في سكونها تخفي حياةً صاخبة، والبحر في هدوئه يخبّئ عاصفةً كامنة.
الصمت هو ساعة الزمن الداخلية.
يوقف عقارب الضجيج ليمنحنا فرصةً لإعادة ترتيب المعنى.
أعيدُ اليوم اكتشافَ الفلسفةِ العميقةِ للكتابة:
نحن لا نكتبُ لأننا نملكُ ترفَ القدرة، بل لأننا نرزحُ تحت وطأةِ اضطرارٍ لا فكاكَ منه.
نكتبُ لأننا لا نستطيعُ أن نصمتَ إلى الأبد.
وحين تسكتُ الأقلامُ في النهاية، فلا ينبغي أن نقرأ ذلك بوصفه مشهدَ ختام.
بل بوصفه ولادةً لنوعٍ آخر من الحضور؛ حضورٍ أكثر كثافةً وعمقًا.
إنه صمتٌ يعلّمنا أدبَ الإنصات لما لم يُقَل.
ويحثّنا على تبجيلِ الفراغِ الذي تسكنه أمهاتُ المعاني.
أليست أعظمُ التجليات هي تلك التي تحدث حين يُغلق الإنسانُ فمه، ويفتحُ بصيرته؟
لذلك، سأحترمُ هذا الصمتَ حين يطرقُ بابي.
وأوقنُ أنه ليس خلوًّا من الوجود، بل امتلاءٌ يسبق الولادة.
امتلاءٌ يعيدُ للكلماتِ هيبتها الأولى.
ويمنحُ الحروفَ براءتها المسروقة في زحمةِ الابتذال.
لتشرق شمس البيان يومًا، بيقينٍ راسخ.
وحين تشرق، لن تكون مجرد كلماتٍ على الورق، بل شهادةً على أن الصمت كان الطريق الأعمق إلى الحقيقة، وأن ما يولد من رحم السكون يحمل في جوهره قوة البقاء، وذاكرةً لا يطالها النسيان.
بقلم:
د. محمد شعوفي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق