كتاب 《تعلّمتُ من زوجي》
الفصل الخامس
« تعلَّمتُ من زوجي معنى الحُبِّ الناضج»
تعلَّمتُ من زوجي —رحمه الله وأسكنه جنّات النعيم— أنَّ الحُبَّ الناضج لا يُولد دفعةً واحدة، ولا يضجّ بالادّعاء، وأنَّه ليس وليد لحظةٍ عابرة، بل ينمو على مهل، كما تنمو الأشجار العميقة الجذور؛ صامتًا، ثابتًا، وقادرًا على الاحتمال حين تعصف الرّياح.
تعلَّمتُ منه أنَّ الحُبَّ الناضج ليس محطّةً ننتظر فيها وقتًا محدّدًا ثم نغادرها، وليس ضيفًا يحلّ علينا نُكرمه ونُحسن ضيافته ثم يذهب بعيدًا،
إنّما هو البيت وأهله، هو الأساس الذي تُبنى عليه جدران الثقة والاحترام والودّ والأمان،
هو الرفيق الدائم والصاحب الصادق الذي يبقى مهما توالت الخطوب،
هو الماء الذي يروي القلوب والأرواح لتُزهر حبًّا وأملًا وحياةً.
تعلَّمتُ منه أنَّ الحُبَّ الناضج ليس اندفاعًا أعمى دون بصيرة، ولا تعلّقًا هشًّا،
بل اختيارٌ واعٍ يتجدّد كلّ يوم، ومسؤولية تُكلَّلها الرضا والاحترام، وحضورٌ لا يغيب حين يحتاج القلب إلى السند أكثر من الكلمات.
علَّمني أنَّ الحُبَّ الحقيقي لا يُقاس بما يُقال فقط، وإن كنّا نحتاج الكلام، لأنَّ الأذن تطرب لأغاريد الكلام وطيبه، ولكن بما يُفعل أيضًا؛
في الصبر حين يضيق الصدر، وفي الحلم وكظم الغيظ واتّقاء الإساءة حين تشتدّ الخلافات،
وفي الصمت الحكيم الذي يحفظ الودّ والحبّ ولا يجرح الكرامة.
فكان حبّه لي فعلًا يوميًّا، لا شعارًا، وطمأنينةً تُمنح، لا وعدًا مؤجّلًا.
تعلَّمتُ منه أنَّ الحُبَّ الناضج يعرف كيف يحتوي دون أن يُلغي، وكيف يقترب دون أن يخنق، وكيف يختلف دون أن يهدم.
كان يمنحني مساحتي لأكون أنا، ويحبّني كما أنا، ويسمو بي لأكون دائمًا أفضل، ويجعلني أترفّع عن النقص.
ومن زوجي تعلَّمتُ أنَّ الحُبَّ الناضج يُشبه الأمان، بل هو الأمان؛
لا يُقلق، ولا يُرهق القلب بالشكّ، فالثقة بين الزوجين سيّدة الأخلاق، التي ترقى بهم إلى قمم المحبّة والودّ والاطمئنان.
كان وجوده إلى جانبي كافيًا ليطمئنّ قلبي ويُطبطب عليه، مواسيًا كلّما اغرورقت عيناي بالدموع، وكأنَّه يقول لي دون كلام: «أنا هنا بجانبكِ… فلا تخافي».
علَّمني أنَّ الحُبَّ الناضج لا يهرب عند التعب، ولا يتراجع عند المرض، ولا يضعف أمام الأزمات، بل يزداد عمقًا وصمودًا، ويُخرج من القلب طاقاتٍ لم يكن يعرفها.
رأيتُ الحُبَّ الناضج يتمثّل في تفاصيل صغيرة، لكنّها تُورق القلب والرّوح؛ في وقوفه الصامت حين ضعفتُ، وفي دعمه الثابت حين تهاويتُ، وفي إيمانه بي حين شككتُ بنفسي.
تعلَّمتُ منه أنَّ الحُبَّ الناضج لا يحتاج إلى استعراض أو رصٍّ للكلمات والتعابير، ولا إلى ضجيج أو صراخ يُسمع المدى، فهو هادئ كالماء العميق، يمنح الحياة، ويغسل التعب عن الرّوح؛ حبًّا يُربّت ولا يجرح، يُصلح ولا يُفسد، يُسعد ولا يُشقي، يبني ولا يهدم أو يُدمّر.
ومن خلاله أدركتُ أنَّ الحُبَّ الناضج هو شراكة في الطريق، لا سباقًا فيه ولا غلبة، هو تكامل في الأرواح، ويدان تمسكان بعضهما عند المنعطفات الصعبة، وقلبان يتقاسمان الحمل دون أن يشتكيا؛
فكان يرى نجاحي نجاحه، وألمي ألمه، وفرحي فرحه، دون حساب أو منّة، وهكذا كنّا نتشارك طعم الحياة، بحلوها ومرّها.
رحل زوجي، وبقي حبّه حيًّا في داخلي، ينبض في قلبي، ويستوطن روحي كجيشٍ لا يُهزم؛ لأنَّ الحُبَّ الناضج لا ينتهي بالغياب، ولا بالرحيل، ولا بالموت، بل يتحوّل إلى أثرٍ ودليل، وإلى ذاكرةٍ حانيةٍ يقِظة لا تنسى ولا تسهو ولو للحظات، وإلى قوّةٍ خفيّة تُعين القلب المحتضر على البقاء والاستمرار.
علَّمني كيف يكون الحُبُّ الناضج ملجأً وعنوانًا، فلا أضيع ولا أتوه، بل تأخذني قدماي إليه كلّما أضعت أيّامي، أو تاهت خطواتي في دروب الألم والحزن،
وكيف أُعطي دون أن أبخل، لأنَّ العطاء مكرمة لا يعرفها إلّا الكريم، وأنَّني كلّما أعطيتُ أكثر شعرتُ بقيمة الحياة أكثر، وكيف يكون الحُبُّ الحقيقي بناءً لا كسرًا.
تعلَّمتُ منه الحُبَّ الناضج في تطبيقه لحديث الرسول ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا»، فلم أكن أعرف أنَّ الوصيّة بالنساء يمكن أن تُفهم بهذا العمق حتّى عاشها زوجي أمامي.
كان يُشعرني دائمًا بأنَّ قلبي أمانة معلّقة في يده، يخشى عليها من أدنى كسر.
تعلَّمتُ منه أنَّ الوصيّة ليست مجرّد لطفٍ عابر، بل هي عهد: أن تُحاط المرأة بالطمأنينة، أن تُصان كرامتها، وأن تشعر أنَّ لها مكانًا ثابتًا لا يتزعزع مهما اهتزّت الدنيا حولها، وهذا هو الحُبُّ الناضج.
كان يوصيني أن أهتمّ بنفسي فلا أُهملها، وأنَّ نفسي تستحقّ منّي الرّعاية والاهتمام، وأنَّه وليّ أمري الذي يهتمّ بي ويرعاني، يسمع همّي بإنصات، يُقدّر تعبي، يُراعي مرضي، يُخفّف عنّي أثقال الأيّام.
كلّ موقفٍ صغير كان وصيّةً تُنفّذ، وكلّ التفاتةٍ منه كانت عهدًا من الرّحمة لا تخطؤه الرّوح.
وهذا هو الحُبُّ الناضج…
وبعد رحيله، أدركتُ تمامًا كيف يكون الرجل امتدادًا لوصيّةٍ نبوية عظيمة، فيزرع في دروب الحياة الحُبَّ الناضج الصّادق.
أدركتُ أنَّ الله إذا أحبّ عبدًا جعله رقيقًا عطوفًا مع زوجته، رحيمًا بها، حافظًا لها، لا يظلمها ولا يجرحها ولا يتركها تواجه الحياة وحدها.
تعلَّمتُ منه أنَّ المرأة حين تُوصى بها خيرًا تُزهر، وحين تُكرم تنضج، وحين تُحمى يشتدّ عودها؛ لذلك ظلّت وصيّته تسري في داخلي: أن أكون قويّة، وأن أمضي، وأن أحمل جميله في قلبي ما حييت.
وسيظلّ ما تعلَّمته منه شاهدًا على أنَّ أجمل أنواع الحُبّ، أصدقها، وأبقاها… هو الحُبُّ الناضج.
يتبع.......
بقلمي/ بيسان مرعي