"جهة النور"
أبقِ عينيك على النور، لا لأن الطريق يخلو من العتمة، بل لأن الإنسان لا يهتدي بما تراه عيناه بقدر ما يهتدي بما تحفظه روحه من معنى.
فالظلام في هذه الحياة ليس مجرد غيابٍ للضوء، بل امتحانٌ هادئ للبصيرة:
هل نصدّق ما توحي به العتمة من ضيق، أم نثق بما يعرفه القلب عن وجود اتجاهٍ آخر خلف المشهد؟
ليست النجاة أن يزول الليل سريعًا، بل أن تتعلّم كيف تمشي في العتمة دون أن تسمح لها أن تسكن داخلك.
فالحياة أشبه بمسافرٍ في صحراء واسعة؛ لا يهتدي من ينتظر انكشاف الطريق، بل من يرفع عينيه إلى نجمةٍ بعيدة.
فالنجوم لا تُضيء الدرب كله، لكنها تكفي لتُبقي الاتجاه حيًا في القلب.
وما يحيط بنا من ظلال ليس عدوًا دائمًا؛ فالظل لا يولد من العدم، بل من عبور الضوء فوق الأشياء.
ولهذا، كلما اشتدّت الظلال كان في ذلك تذكيرٌ صامت بأن الضوء ما يزال حاضرًا.
الإنسان لا يضل لأنه لا يرى، بل لأنه ينظر إلى الجهة الخطأ.
لهذا كان سرّ العبور بسيطًا وعميقًا: وجّه بصيرتك نحو المعنى، ودع خطواتك تمضي بثقة الأنهار التي تعرف في صمتها أن البحر ينتظرها.
فالروح التي تعرف وجهتها لا تخاف طول الليل، لأنها تدرك أن الفجر ليس حادثةً عابرة في السماء، بل قانونٌ هادئ من قوانين الوجود.
لذلك، حين يثقل الليل حولك، لا تنشغل بعدّ طبقات الظلام، بل تذكّر النجمة التي تهتدي بها روحك.
أبقِ عينيك على النور… فمن يعرف جهة الضوء لا يعبر الظلام لأنه أقوى منه، بل لأنه يعرف أن الضوء هو الحقيقة الأعمق في هذا الوجود.
✍🏻 د. راوية عبدالله 🇾🇪