الاثنين، 30 مارس 2026

Hiamemaloha

خاطرة للشاعر أحمد علي صدقي

 وأنا في نزهة مع عائلتي، بين زهور ربيع غادرنا منذ سنين و خضرة أعشاب افتقدنا اخضرارها اكثر من أربع سنوات، تركت الجمع ومشيت لوحدي بعيدا عنهم في طريق طويل وكأنني مسافر  عبر ماضي العميق. انتابتني هذه الخواطر. فقلت:

لو رجعت إلى الماضي الآن، وغصت في أعماقه، لقارعته مكشّرا أنيابي، ولخاصمته وعاتبه حينا بعد حين. لقد رأيتني وكأنني أمتلك من السلاح ما قد يمكنني للقيام بهذا: حمولة من التجارب وقسط وافر من اللغة رغم بساطته، و إيمان تابت بأنني أسير نحو أهدافي ولا أتراجع.

غصت في عمق الماضي، فقلت: 

لو كنت اليوم في السادسة من عمري، بهذه التجربة وهذه الكلمات التي تسعفني، لقلت لأمي وأبي:

لا تقلقا علي كثيرا، ولا تفرضا عليّ تصرفا يليق بكما أنتما وتظنانه يليق بي أنا. اتركا لي فضاء أعيش فيه، أتصرف فيه كما أشاء؛ أدوس على ألعابي، أكسرها، أفككها، أعيد تركيبها، أحرقها، أبعثرها ثم أجمعها. لقد اشتريتماها لي، فهي ملكي فلا تحاسباني على ما أفعله بها.

ثم نظرت ببصيرتي إلى تحولاتي وقد كبرت قليلا. قلت:

لو كنت اليوم في العاشرة من عمري،و بهذه التجربة وهذا الرصيد من الكلمات، لبينت لذلك الفقيه الذي كان يضربني، ما أحس به اتجاهه، إذ عندي ما يسعفني من الكلمات لأواجهه بها، ولقلت له:

يا فقيه، لقد تركوني عندك لتعلمني لا لتضربني، جاؤوا بي عندك لتأخذ بيدي لا لتكسر عصاك عليها. 

ولقلت بلا تلعتم لذلك المعلم الذي كان ينعتني بالفاشل: 

كان عليك أن تشجّعني على ما استطعت الإجابة عنه من تمارينك المُجحِفة، وكان عليك أن تعترف بإيجابياتي ونجاحاتي، ولا تذكر عني فقط رسوبي في بعض امتحاناتك القاسية.

ثم رأيتني قد نضجت، ونبتت بعض الشعيرات تحت ابطي. قلت:

 لو كنت اليوم في الخامسة عشرة من عمري، وعندي هذه التجربة وهذا الرصيد من الكلمات، لترجمت ما أحس به لكل أهلي، ولقلت لهم:

لا تخافوا عليّ من طيشي، ولا من ابتعادي عنكم، ولا من حبٍّ جنوني لاحظتموه مني تجاه فتاة من فتياتكم. لا تفزعوا من ردات فعلي القلقة، ولا تنعتوني بالمراهق فقط، بل ساعدوني، وكونوا حاضرين في شدتي.

ثم تراجعت قليلا نحو زماني هذا فقلت لو كنت اليوم في العشرين من عمري، وعندي هذه التجربة وهذا الرصيد من الكلمات، لتدبرت أمري وقلت للعالم:

لا تضحك يا عالم من طموحاتي الكبيرة، الخيالية، وتراها صعبة التحقق. فأنا قادر على مواجهاتها فلا تبتئس من مصيري، ولا تنزعج من أفراحي الغريبة وأحزاني المرهقة ولا تجرح مستقبلي بل ساعدني، يا عالم، على بلوغ مرامي، وعلى أن أحافظ على هذا الكوكب الذي أحاول العيش فيه رغم تفاهاتي.

ثم تراجعت قليلا إلى جهة شبابي فرأيتني وقد أصبحت شابا يافعا. قلت:

لو كنتُ اليوم في الثلاثين من عمري، وعندي هذه التجربة وهذا الرصيد من الكلمات الصائبة، لساعدتكم  على تدجين هذا العالم الجامح، بكلمات بسيطة لا تعقيد فيها ولا فلسفة ولقلت لكم:

عيشوا حياتكم، ولا تخافوا أن تردوا إلي رسائلي السيئة التي أرسلتها إليكم في طيشي. واجهوني بلا خوف من أخطاء مراهقتي. لا أريد منكم نفاقا يمجد شبابي وهو يكرهني.

ثم تراجعت أعواما، فوجدتني اليوم، وقد تجاوزت السبعين من عمري، ورغم ما كنت أظنه رصيدي من الكلمات ومن الأفكار التي حسبتها سلاحي الذي يمكنه أن يساعدني على تحقيق أحلامي وبلوغ آمالي فما وجدت هذا في الحقيقة ينفع مع أقوام إلاهها هواها و هدفها التكاثر. 

أقول لكم:

لا يهمكم من زاغ عن الطريق السوي ولا يسود عيشكم من تولى عليكم و انساكم. أقول لكم إن الحياة جميلة، وتستحق أن تُحب وأن يعتنى بها. فهي قصيرة جدا، فلا تزيدوا من قصرها وتنكدوها بمنافساتكم المادية و حسدك وبغضكم لبعضكم بعضا. زينوها بابتساماتكم. لذذوها ببهاراتكم الخاصة، ولا تهتموا كثيرا بما يدور حولكم من حروب مفتعلة، فهي من كيد الكائدين، ووراءها نيات مبيتة نهايتها تنغيص هذا العالم الجميل.

اعلموا أن الحياة قصيرة، وأنها تعيش بكم وتموت بموتكم. فعيشوها قبل أن تفلت منكم، فهي سريعة الخطى، وأنتم، ببطئكم وكسلكم تُغضبونها.

أتمنى أن يطيل الله في العمر، فأدرك من الكلام الرفيع مداه، ومن الشعر سحره، ومن الإيمان حلاوته، فأقول الأجمل للجميع:

احبسوا الزمان… وعيشوا أجمل لحظاته.

أحمد علي صدقي/ المغرب.


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :