الخميس، 23 أبريل 2026

Hiamemaloha

كتاب تعلمت من زوجي الفصل 11 للأديبة بيسان مرعي

 كتاب《تعلّمتُ من زوجي》

الفصل الحادي عشر

« تَعَلَّمْتُ مِنْ زَوْجِي مَعْنَى السُّكْنَى فِي زَمَنِ الأَلَمِ، وَمَعْنَى الْوَفَاءِ فِي الْمِحَنِ»


ما كانَ الألَمُ اختبارًا لصحّتي وحدي، بل كانَ امتحانًا لقلبي وقلبِه معًا، امتحانًا للحبِّ الذي وُلِدَ على الصدقِ والإيمان.

لم تكن رحلتي مع مرضِ « السَّرَطَانِ » مجرّدَ محنةٍ صحيّة، بل كانت الاختبارَ الأكبرَ الذي كشفَ لي عن نُبلِ روحِ زوجي وعمقِ إخلاصه.

تعلّمتُ منه أنّ الزواجَ ليس مجرّدَ مشاركةٍ في السَّرّاء، بل هو ذراعٌ لا تَكِلّ في الضَّرّاء، وقلبٌ يحملُ عنك الألَمَ حين يُثقلك الوجَع.

ففي زمنٍ يتراجعُ فيه كثيرون عند أوّلِ محنة، كان هو الثابتَ، الصابرَ، الرحيمَ، الذي جعلَ من ضعفي قوّة، ومن تعبي طمأنينة، ومن المرضِ بابًا لمعنى أعمقَ للحب.

حين طرقَ المرضُ بابي، ارتضينا بقدرِ الله تعالى، وعلمنا أنّ في المحنِ منحًا، وأنّ بعدَ كلّ ابتلاءٍ ارتقاء.

لم أواجهه وحدي، بل كان هو معي وقبلي، وقفَ في وجهه كمن يقول:

«إذا كنتَ أيّها المرضُ قد غزوتَ جسدَها، فقد غزوتَ روحي معها، وإن كنتَ تؤلمُها فإنّ قلبي يتوجّع معها. ارتضيناك قدرًا وهديةً من الله، وسنجاهدُ لنشفى كلاَنا بإذنِ الله، فإنّ الشوكةَ التي تُشاكُ بها زوجتي يقعُ ألمُها في نفسي».

في لحظةٍ لم أكن أملكُ فيها سوى مشاعرَ مختلطةٍ بين الرضا بقدرِ الله تعالى والخوفِ أيضًا، كان هو الثبات.

امتدّ العلاجُ طويلًا، حوالي ثلاثِ سنوات، ما بين كيمّاويٍّ مُرّ، وعمليّاتٍ موجعة، وأشعّةٍ تحرقُ الجسد، لكنّها تُضيءُ الروحَ بالصبر.

وعلى مدارِ ثلاثِ سنواتٍ من العلاجِ الشاق، لم يملّ ولم يكلّ أبدًا.

لم يكتفِ بمرافقتي في جلساتِ الكيمّاويّ المرهِقة، بل كان يبحثُ ويتحرّى عن أفضلِ الأغذيةِ والطبِّ البديلِ الذي قد يساعدُني على تخطّي هذه المرحلةِ الخطيرةِ بسلام.

كان يحرصُ على كلّ لقمةٍ آكلها، وعلى كلّ دواءٍ أتناوله، محاولًا بكلّ طاقته أن يخفّفَ عن جسدي المتعبِ آثارَ الدواءِ القويّة.

لم أتذكّر يومًا أنّه تذمّر، أو ملّ، أو قال: «تعبت»، بل كان يسبقني إلى المواعيد كمن يُسابقُ الأيامَ ليحميني ويحرسني ويقوّيني.

في كلّ جلسةِ علاج، كان يجلسُ بقربي، يقرأُ الدعاءَ في صمت، ودموعُه تختبئ خلفَ ابتسامةٍ مطمئنة.

لقد كانت تلك السنواتُ الثلاثُ مليئةً بمواقفَ لا تُعدّ ولا تُحصى، كلّها تنطقُ بالحبِّ والرعاية، وتؤكّدُ لي يومًا بعد يوم أنّ الله قد رزقني «نِعمَ الزوج ونِعمَ السند» الذي لم يترك يدي لحظةً واحدةً وسطَ العاصفة.

وفي كلّ مرحلةٍ من ذلك الطريقِ الشاق، كان هو ظلّي الذي لا يفارقني، وسندي الذي لا يلين.

كان يرى وجعي فيبلسمه بطيب الكلام والمواساة، لأنّ الصبرَ كان لغتنا، والدعاءَ سلاحنا.

وفي ليالٍ كثيرةٍ، حين يثقلُ جسدي بالتعبِ أو يهاجمني الأرق، كان يصحو دون أن أوقظُه، يقرأ لي القرآنَ بصوتٍ خافتٍ رقيقٍ حتى أطمئن، فاذا شعر بأنّ أنفاسي هدأتْ ونومي استقرّ، ارتاح وغفا.

" ما أكرمه! حتى راحتي كانت عنده عبادةً يتقربُ بها إلى الله تعالى " 

لقد كان زوجي يحرصُ على التجارةِ مع الله من أجلي، ولأنّه يؤمنُ أنّ الشفاءَ بيدِ الله وحده، كان يطرقُ أبوابَ الرجاء بالصدقات.

وكلّما أُجريت لي صورةٌ أو فحوصات، كان ينذرُ لله صدقةً إن بشّرَ الأطبّاءُ بخير، فيذبحُ خرافًا، ويتصدّق، وكأنّه يشتري الأملَ باليقين.

أذكرُ جيّدًا في أحدِ شهورِ رمضان المبارك، كيف قرّر دون تردّد أن يتصدّقَ بنصفِ راتبه كاملًا، داعيًا الله بالقبول، وسائلًا إيّاه أن يشفيني.

لم يكن ينظرُ للمالِ كقيمة، بل كان يراه وسيلةً لرفعِ البلاء عنّي، فكان يخرجُ الصدقاتِ الواحدةَ تلوَ الأخرى بيقينٍ لا يتزعزع.

وفي الأيّام التي كانت تُنهكني فيها الأوجاع، وفي سكونِ الليل، حين ينامُ الجميع، كان هو يستيقظُ ليقفَ بين يديِ الله في صلاةِ القيام، فيُطيلُ السجودَ ويتهجّد.

كنت أسمعُ نشيجه في سجوده، وهو يبكي بحرقة، ويدعو الله بقلبٍ وجل:

«اللَّهُمَّ لَا تُفْجِعْنِي بِزَوْجَتِي».

فارتجفَ قلبي، وشعرتُ أنّ دموعَه تلك كانت دوائي الأصدق، لأنّها كانت دموعَ المحاربِ في جوفِ الليل.

تلك الدعواتُ الصادقة كانت تحيطني كالسياج، وكانت دموعُه التي يُبلّل بها سجادته هي الوقودَ الذي يمدّني بالأمل كلّما شعرتُ باليأس.

كَانَ يَقُولُ لِي دَائِمًا:

«أَنَا شَرِيكُكِ فِي مَرَضِكِ، فِي صَبْرِكِ، فِي أَجْرِكِ بِإِذْنِ اللَّهِ».

لم تكن تلك الكلماتُ مجرّدَ مواساة، بل كانت عهدًا روحيًّا حفظه ووفّى به.

ومنذ تلك اللحظة، صار الألَمُ مشتركًا، والرجاءُ مشتركًا، والإيمانُ مشتركًا.

لم أعد أخافُ المرض، لأنّ معي قلبًا يحملُ عنّي نصفَ الوجع.

كلمةُ «شريك» لم تعد تعني الحياة فقط، بل شاركني الألَمَ والدمعةَ والسجدةَ والدعاء، حتّى غدونا كجناحَين لا يطيرُ أحدُهما إلّا بالآخر.

لم يكن يهتمّ بتكاليفِ العلاجِ المرهِقة، ولم يفكّر لحظةً أن يلجأَ إلى مستشفى تكونُ تكاليفُه أقلّ قليلًا، رغم تكرارِ طلبي بذلك للتخفيفِ عنه.

كان يكرّر ذاتَ الجملة التي ما زالت تُضيءُ ذاكرتي كلّما ضاق بي التعب، ويجدّد ذاك العهد الذي لن أنساه ما حييت، حين قبضَ بيده على قميصه الذي يرتديه وقال بعزمِ الصّادقين:

«لن أتخلّى، ولن أتهاون، ووالله لو كلّفني علاجُكِ بيعَ قميصي هذا، ما توانيتُ يومًا عن ذلك».

كانت هذه الكلمات هي المصلَ الحقيقيّ الذي سرى في روحي قبل بدني، ومنحتني القوّةَ لمواجهة ما هو آت.

عندها علمتُ أنّ الحبّ الحقيقيّ ليس وردًا يُهدى في الصحّة،

بل كتفًا يُسندُ في العاصفة،

وأنّ الرجولةَ ليست كلماتٍ تُقال، بل موقفٌ يُعاش.

في حضرته، فهمتُ أنّ الوفاءَ لا يُقال بل يُثبت،

وأنّ الشريكَ الحقيقيّ لا يهربُ من الوجع، بل يقفُ فيه بثبات.

فأدركتُ حينئذٍ أنّ الحبَّ الحقَّ لا يُقاسُ بالكلمات فقط، بل بالفعل، وبالثبات، وبالوفاء الذي لا تهزّه العواصف ولا نوائبُ الدهر.

ذلك المرضُ الذي كان يمكنُ أن يكسرني، صار جسرًا عبرتُ عليه إلى يقينٍ أعمق، لأرى في ملامحه كيف يكونُ الرجل عبدًا لله في الرخاء والبلاء سواء.

كان السرطان طريقًا طويلًا، كثيرَ الألَم والوجع، لكنّه أيضًا كثيرُ الدروس والعِبر، تكلّل بالرضا، وأزهر دربُه بالحب، وطابت أيّامه بمن وقف سندًا ثابتًا، ومواسيًا صادقًا، حتّى بات هو الطبيب.

تعلّمنا أنا وزوجي معًا أنّ المرضَ لا يُضعفُ من يُحبّ الله، بل يُصفّيه، وأنّ الابتلاء حين يُعاش بصبرٍ ورضًا يتحوّل إلى عبادةٍ خفيّة يُكافئُ الله عليها بالصبر الجميل.

وتعلّمنا أنّ الشفاءَ لا يكون فقط بالأدوية والعقاقير الطبيّة، أو بانتهاء الوجع، بل حين يُضاءُ القلبُ بالإيمان وسطَ العتمة.

وتعلّمنا أنّ الدعاءَ لا يغيّر القدر فحسب، بل يغيّرنا نحن، فيجعلنا أقدرَ على حمل ما قُدّر لنا.

وتعلّمتُ منه أنّ الرجلَ المؤمن لا يقف عند حدود الحب، بل يتجاوزها إلى العبادة؛ فيحبّك كما يحبّ لله، ويصبر عليك كما يصبر لله، ويؤمن أنّ المرضَ امتحانٌ يجمع الأرواح أكثر ممّا يفرّقها.

وهكذا، لم يكن وقوفُه معي في المرض مجرّدَ رعايةٍ عابرة، بل كان سُكنى حقيقيّةً احتميتُ بها حين ضاق الجسد، ووفاءً ثابتًا لم يتغيّر حين تبدّلت الظروف.

علّمني أنّ الألَم لا يُقاس بحدّته، بل بقدر ما نجدُ فيه من احتواء، وأنّ الشريكَ الحقّ لا يكتفي بالبقاء، بل يُحسن البقاء.

وفي عينَيه رأيتُ الإيمان حيًّا، والوفاء في أصفى صوره…

رحل، لكنّ سُكنى روحِه باقيةٌ فيَّ، ووفاؤه صار مقياسًا لا أنساه، ودعاءً أُلقيه كلّما ضاق بي الألَم، فأجد فيه السكينةَ من جديد.

كلماته وتصرفاته لم تكن مجرّدَ دعمٍ عابر، بل هي بطولاتٌ حقيقيّة نابعةٌ من قلبٍ محبٍّ ومؤمن.

فما تعلّمتُ من مرضي شيئًا أعظمَ ممّا تعلّمتُه من مساندته ومحبّته…


يتبع................

بقلمي/ بيسان مرعي


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :