كتاب《 تعلّمتُ من زوجي》
الفصل الثامن
« تَعَلَّمْتُ مِنْ زَوْجِي أَنَّ الثَّقَافَةَ حَيَاةٌ لَا مَعْلُومَاتٌ»
كنتُ أظنّ، وبعضُ الظنّ انغلاقٌ، أنَّ المثقّف هو ذلك الشخص الذي يختبئ خلف نظّارته الطبيّة، يحيط نفسه بأسوارٍ وقلاعٍ من الكتب والمجلّدات، ويقتات على المصطلحات المعقّدة التي تحتاج إلى معجمٍ لفكّ شفراتها.
كانت الثقافة في مخيّلتي «مخزنًا» كبيرًا للمعلومات، وصراعًا لإثبات من يحفظ أكثر، أو من قرأ لمؤلّفين بعضهم مشهور، والبعض غامض المعالم.
لكنّني، ومنذ أن شاركني زوجي تفاصيل الأيام، اكتشفت أنّني كنتُ أقف أمام تعريفٍ خاطئ؛ فالثقافة التي يحملها بين جوانحه ليست «حِملًا» يُثقل كاهله، بل هي «روحٌ» تحرّك خطواته.
تعلّمتُ معه أنَّ المثقّف ليس من يملك مكتبةً ضخمةً فحسب، بل من تظهر آثار تلك الكتب في رُقيّه وهدوئه، وفي طريقة اختياره للكلمات حين تضيق الدنيا.
علّمني أنَّ الثقافة هي «كيف نعيش»، وليست فقط «ماذا نعرف» وكم «قرأنا».
أوّل درسٍ تلقّيته كان صامتًا؛ إذ لاحظتُ أنَّ زوجي لا يحاول أبدًا استعراض ما يعرفه، بل ما يمارسه.
تعلّمتُ منه أنَّ المعلومة التي لا تجعل صاحبها أكثر لطفًا وتواضعًا ولينًا، هي مجرّد «ضجيج» لا قيمة له؛
فالمثقّف الحقيقي هو من يستطيع تبسيط أعقد الأفكار ليفهمها الطفل الصغير، لا من يعقّد أبسط الأمور ليظهر بمظهر العبقري.
لم تكن الثقافة في حياة زوجي تكديسًا للمعرفة، ولا استعراضًا للأسماء والكتب، ولا سباقًا لإثبات التفوّق في النقاشات؛ بل كانت أسلوب عيش، وطريقة نظرٍ إلى العالم، وبوصلةً أخلاقيّة تهذّب السلوك قبل أن تُغني العقل.
تعلّمتُ منه أنَّ الإنسان قد يقرأ كثيرًا ويبقى فارغًا، وقد يعرف قليلًا ويكون ممتلئًا حكمة.
فالثقافة عنده لم تكن عدد الصفحات التي طواها أو تصفّحها، بل الأثر الذي تركته تلك الصفحات في روحه، وفي طريقته في التعامل مع الناس، وفي قدرته على الفهم والرّحمة والإنصاف.
كان يرى أنَّ الكتاب الذي لا يغيّر سلوك صاحبه وقلبه كتابٌ لم يُقرأ بعد، وأنَّ المعلومة التي لا تتحوّل إلى وعيٍ عبءٌ على العقل لا نعمة.
لذلك لم يكن يستعرض ما يعرف، بل يُغذّي من حوله بالمعرفة والأفكار السليمة التي يؤمن بها، وكأنَّ المعرفة إن لم تنزل من الرأس إلى القلب، ثمّ إلى اللسان ليفوح عبيرها أينما حلّ الإنسان، فلا قيمة لها.
تعلّمتُ منه أنَّ الثقافة ليست حِكرًا على النُّخب، ولا حبيسة الجامعات، ولا معلّقةً على الجدران في شهادات.
قد تكون الثقافة في كلمةٍ موزونة تُقال في وقتها، وفي مواساةٍ تأتي في لحظة وجع، وفي عبارة جبرٍ حين كسر، وفي صمتٍ حكيم ينقذ موقفًا من الانفجار، وفي سؤالٍ صادق يعيد ترتيب الفكرة من جذورها.
تعلّمتُ منه أنَّ الثقافة أن تعرف متى تصمت، ومتى تتكلّم، ومتى تعتذر…
وأن تختار كلماتك قبل أن تختار مواقفك، وأن تدرك أنَّ الكلمة مسؤوليّة، وأنَّ الجهل أحيانًا ليس في عدم المعرفة، بل في سوء استعمالها.
في لحظات الغضب أو ضغط الحياة، كنتُ أراقب ردود فعله، وهناك تظهر الثقافة كـ«حياة»؛ فلم تكن الحلول التي يطرحها مستمدّة من نظريّات جافّة، بل من وعيٍ عميق بالنفس البشريّة.
تعلّمتُ منه أنَّ المثقّف لا يستسلم لردّ الفعل السريع، بل يملك «المسافة الجماليّة» التي تمكّنه من رؤية المشكلة من زوايا متعدّدة؛ لأنَّ الثقافة هنا هي «المرونة»، أي القدرة على استيعاب الصدمة وتحويلها إلى فرصة للنمو، تمامًا كما تفعل الأرض الخصبة حين تستقبل المطر.
دائمًا ما كنتُ أربط الثقافة بـ«الكلام»، لكنّ زوجي علّمني أنّها في «الاستماع». فالثقافة أن تعطي الآخر حقّ الاختلاف، وأن تُنصت إليه لا لتردّ عليه، بل لتفهمه. هذه هي الثقافة كفعلٍ يوميّ: أن تحترم إنسانيّة الشخص الذي أمامك أيًّا كان مستواه التعليمي.
لقد رأيْتُ فيه كيف يمكن للمعلومة التَّاريخيَّة أَوِ الفلسفيَّة أن تَتحوَّلَ إِلَى «صَبْرٍ» وَ«سَعةِ صَدْرٍ» فِي التَّعامل مع عثَراتِ المقرَّبين.
كان زوجي مثقّفًا؛ لأنّه كان إنسانًا، يحترم اختلاف الآراء، ويُحسن الإصغاء قبل الردّ، ويفرّق بين النقد والانتقاص، وبين الحوار والجدال.
لم يكن يرفع صوته ليُقنع، ولم يكن يهتمّ فقط بعنوانٍ رائعٍ وعميق، بل كان ينقل الثقافة من «الرفوف والغبار» إلى «النبض والتعامل اليومي».
ففكرة أن تكون الثَّقَافَةُ سُلوكًا، وليستْ مجرَّد رصيدٍ مَعرفي، هي لمسةٌ إنسانيَّةٌ مُلهِمة.
تعلّمتُ منه أنَّ العقل ليس مستودعًا للكتب، بل مصفاة للأفكار، واللسان ناقلها، والسلوك مرآتها.
وأنَّ المثقّف لا يردّد ما يسمع، بل يُحلّل ويفكّر قبل أن يتبنّى رأيًا؛ لأنَّ الثقافة هي القدرة على استيعاب الآخر المختلف، لا التعالي عليه بالمعرفة.
والمثقَّفُ الحقيقيّ هو من يُشعركَ بأنَّك ذَكيٌّ في حُضُورِه، لا من يحاول إِثْبَاتَ ذكائه أمامك؛ فالمعلوماتُ قَدْ تَخْذُلُنَا وَقْتَ الشِّدَّة، لَكنَّ الثَّقافةَ كَمنْهجِ حياةٍ تمنحنَا الثَّبات.
تَعلَّمْتُ منه أَنَّ الشَّخصَ المُثَقَّف هو الَّذي لَا يمرُّ بالأشياء مرور الكرام، بل يرى في تفاصيل البيت الصَّغيرةِ معاني كبيرة؛ فهي حياةٌ لأَنَّهَا تجعلك تَختارُ ألوانك، وَتُرتِّبُ أَولويَّاتِك، وتصيغها بالوقت وَالشَّكل المناسبين.
إنَّها لَيْسَتْ تَرَفًا فِكرِيًّا نمارسه في الصَّالوناتِ الثَّقَافِيَّة، بل هِيَ «البوصَلَةُ» الَّتي تُخْبِرُنَا كيف نكونُ أكثر إنسانيَّةً وَسْطَ عالمٍ مادِّيٍّ جَافّ.
إنَّ الثقافة التي استقيتُها من رفقة زوجي ليست شهادةً تُعلّق على الحائط، بل «عطرٌ» يفوح من أفعاله.
لقد جعلني أدرك أنّنا لا نقرأ لنعرف أكثر، بل لنصبح «أفضل».
فَالمعلومةُ تنتهي بانتهاءِ الامتحانِ أَوِ النّقَاش، أمَّا الثَّقافةُ كمنهجِ حياة فهي الَّتي تبقى وَتَنْمُو، وَتجعلُ من بيتنا عالمًا يتنفَّسُ الوعْيَ وَالمحبَّة.
والثقافة هي مَا يبقى بعد أَنْ نَنْسَى كلَّ ما تعلَّمناهُ في المدارس؛ فهي ليست في كَثرةِ القراءة، بل في أثرِ ما قرأْتَ عَلَى ملامحِ رُوحِك.
أدركت أنَّ أعظم المكتبات ليست تلك التي تُبْنَى من الورق والخشب ، بل تلك التي نعيش معها تحت سقفٍ واحد.
شُكرًا لزوجي الذي لم يعلمني من الكتب، بل علَّمَني بِـ«كَوْنِهِ» هو الكتاب؛
لقد جعلني أفهم أنَّ المثقَّف الحقيقي هو من يترك خلفه أثرا من النُّور فِي قلوب من يحب ، لا مجرَّد رصيدٍ من الكلمات.
ولم تَكُنْ دروسه لي محاضراتٍ ملقاة، بل كانت حياةً تُعَاشُ بكل تفاصيلها؛ فأيقنت أنَّ أجمل ما يمكن أن يهديه المثقف لشريك حياته ليس علمه، بل أثر ذلك العلم في سموِّ روحه ونُبْلِ معشره.
وها أنا اليوم، لم أعد أبحث عن الثقافة في العناوين الضخمة، بل أبحث عنها في تفاصيل ذكرياتي معه، وفي تلك الروح التي جعلت من المعرفة حبًّا، ومن المعلومات حياة.
ولقد انتهت رحلتي في اكتشاف مفهوم الثقافة مع زوجي إلى حقيقة واحدة:
أنَّ الفرق بين «المعلومات» و«الثقافة» كالفرق بين «خارطة الطريق» و«القدرة على السفر».
فالمعلومات قد تمنحك القوّة، لكنّ الثقافة تمنحك الاتّزان.
تعلّمتُ منه أنَّ الهدف من الوعي ليس الترفّع على الواقع، بل الغوص فيه برِقّةٍ وحكمة، وأنَّ الثقافة التي لا تُترجم إلى ممارسة يوميّة في الصبر والعطاء والجمال، هي معرفة ناقصة.
يتبع..............
بقلمي/ بيسان مرعي