الثلاثاء، 19 مايو 2026

Hiamemaloha

ألوان الروح وحدود الانتماء للدكتورة راوية عبدالله

 "ألوان الروح وحدود الانتماء"


نحن لا نملك صفاتنا بقدر ما تملكنا؛ فهي التي تُعيد تشكيلنا بصمتٍ حتى نظنّ أننا أصحابها، بينما نحن في العمق أثرٌ لما استقرّ فينا من ملامح لا تُرى.


ثمّة طباع لا تأتي بالاختيار، بل تمضي إلينا كأنها قدرٌ هادئ؛

تستقرّ فينا كما يستقرّ الضوء في الزجاج، فتمنحنا شفافيةً لا تُفسَّر، وتترك فينا أثرًا لا يُرى لكنه يُحَسّ.

نحملها أولًا كعابرٍ لا يُؤبه له، ثم لا نلبث أن نكتشف أنها ليست زائرًا، بل إقامة طويلة تُشبهنا حدّ الالتباس.


في الهدوء مسحةٌ من الأزرق حين يتأمل العالم بلا عجلة،

وفي الحماسة وميضٌ من الأحمر حين يسبق المعنى لفظه،

وفي النقاء أثر الأبيض حين يبدأ القلب بلا ذاكرةٍ تُثقله،

وفي الامتداد وعد الأخضر حين يصرّ على أن الحياة لا تُهزم دفعةً واحدة،

وفي العمق صمت الأسود حين يعجز الكلام عن بلوغ ما نشعر به.


كلّ صفةٍ من هذه الصفات، حين تستقرّ فينا، لا تُحسّن سلوكنا فحسب، بل تعيد صياغة علاقتنا بذواتنا؛

كأنّ الروح حين تتلوّن لا تتزيّن، بل تُعيد تعريف حدودها من الداخل.


لكن ثمّة “لونًا” آخر…

ليس لونًا بالمعنى المألوف، بل هيئةٌ من التردّد حين يتحوّل إلى مقامٍ دائم،

وحين يصبح الوقوف بين الشيء ونقيضه أسلوبَ حياةٍ لا لحظة عبور.


إنه الرمادي…

ليس لأنه يجمع النور والعتمة، بل لأنه يتردّد في أن يكون أيًّا منهما حتى النهاية.

كائنٌ يقف على حافة المعنى دون أن يعبره، ويظنّ أن التوازن نجاة، بينما يذوب فيه حتى يفقد ملامحه.


لا يوجعك الرمادي بوضوح، لأن الوضوح شجاعة.

ولا يمنحك طمأنينةً صادقة، لأن الطمأنينة قرار.

إنه ضبابٌ أخلاقيّ؛ لا يحجب الرؤية، لكنه يربك يقينها.


ولهذا يبدو غريبًا على أرواحٍ اعتادت أن تُدرك نفسها عبر الانحياز؛

فنحن، مهما اختلفت ألواننا، نميل إلى جهةٍ تُعرّفنا، حتى لو كانت جهة الألم.

فالوضوح—حتى حين يكون قاسيًا—أصدق من حيادٍ لا يقول شيئًا.


إن الروح لا تنمو في المساحات المعلّقة بين “نعم” و“لا”،

ولا تتعلّم ذاتها في عمرٍ مؤجَّلٍ بين احتمالين.

إمّا أن تنحاز فتكون، أو تتفرّق بين الاحتمالات حتى تفقد شكلها.


أما الرمادي…

فهو ما يحدث حين يتعب الخوف من الحسم،

فيختار أن يقيم في المنتصف، حيث لا نور يكشفه ولا عتمة تفضحه.


ولذلك لا يسكننا ولا نسكنه؛

لأن ما لا يكتمل فيه موقف، لا يكتمل فيه حضور…

وما لا حضور له، لا يغيب تمامًا ولا يُرى تمامًا.


✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪



Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :