عُرْسٌ على حَدِّ الغِياب
أَمُدُّ يَدي إِلَيْكِ،
فَتَمْتَدُّ فيكِ الأَزْمِنَةُ،
كَأَنَّ اللَّمْسَةَ الأُولى
نُبُوءَةُ نارٍ
تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تُضِيءُ ولا تَنْطَفِئُ.
أَنْتِ—
يا ارْتِجافَ الضَّوْءِ بَيْنَ أَصابِعي—
حِينَ وَضَعْتُ الخاتِمَ في يَدِكِ،
لَمْ أَكُنْ أُلْبِسُكِ وَعْدًا،
بَلْ كُنْتُ أَكْتُبُكِ
عَلى هَيْئَةِ أَبَدٍ
يَنْطِقُ باسْمي فيكِ.
ها نَحْنُ،
بَيْنَ نَصْلِ القَمَرِ
وغَيْمَةٍ تَذوبُ في شَعْرِكِ،
نَقِفُ…
كَأَنَّ العالَمَ تَأَخَّرَ خُطْوَةً
لِيُفْسِحَ لِلنَّبْضِ
لِيَبُوحَ بِما تَعْجِزُ عَنْهُ اللُّغاتُ.
ثَوْبُكِ—
رِيحٌ تَتَكَسَّرُ عَلى صَدْري،
وأَنا
غُصْنٌ يَشْتَعِلُ بِكِ
كُلَّما حاوَلَ أَنْ يَهْدَأَ.
قولي لي:
كَيْفَ اسْتَطاعَتْ يَدَايَ
أَنْ تَجْمَعَا هٰذا الكَوْنَ في إِصْبَعِكِ؟
وكَيْفَ اسْتَطاعَ قَلْبي
أَنْ يُسَلِّمَ مَفاتيحَهُ
لِهٰذا الارْتِباكِ الجَميلِ فيكِ؟
في حَضْرَةِ العِناقِ
تَتَكَسَّرُ اللُّغَةُ،
وتُولَدُ مِنْ بَيْنِ أَضْلاعِنا
أَسْرابُ حَمامٍ
تَكْتُبُ في الهَواءِ:
«الحُبُّ…
حِينَ يَفيضُ،
يَصيرُ سَماءً بِلا سَقْفٍ.»
رَأَيْتُنا—
تَحْتَ قَمَرٍ أَكْبَرَ مِنَ الحِكاياتِ—
نَذوبُ في بَياضٍ
يُشْبِهُ الاعْتِرافَ،
وكانَتِ الأَشْجارُ اليَابِسَةُ
تَخْضَرُّ فَجْأَةً
كُلَّما اقْتَرَبْتِ مِنْ صَدْري.
أَيُّ سِحْرٍ هٰذا؟
أَنْ يَخْرُجَ الوَرْدُ
مِنْ رَمادِ اللَّمْسِ،
وأَنْ تَتَحَوَّلَ المَسافَةُ
إِلى وَتَرٍ
يَعْزِفُنا مَعًا؟
يا أَنْتِ—
يا مِرآةَ احْتِراقي—
خُذيني
كَما تُؤْخَذُ القَصيدَةُ
مِنْ فَمِ الرِّيحِ:
مُباغَتَةً،
مُمْتَلِئَةً،
ولا تُعادُ.
فَأَنا
مُنْذُ عَيْنَيْكِ
لَمْ أَعُدْ أَنا…
أَنا
موسيقى تَسيلُ
كُلَّما نادَيْتِ اسْمي،
ونارٌ
تَتَعَلَّمُ مِنْكِ
كَيْفَ تَحْتَرِقُ
وتَنْجو.
دَعيني أَكُونُ
خَطَأَكِ الجَميلَ،
وجُنُونَكِ المَشْروعَ،
ودَعيني—
حِينَ تَضيقُ بِكِ الأَرْضُ—
أَفْتَحُ لَكِ صَدْري
كَسَماءٍ ثانِيَةٍ.
لِأَنّي أُحِبُّكِ
حُبًّا…
لَوْ سَقَطَ في الماءِ
لَأَشْعَلَهُ،
ولَوْ مَرَّ عَلى الرِّيحِ
لَأَثْقَلَها عَطَشًا إِلَيْكِ.
تَعالي—
لِنُكْمِلَ هٰذا العُرْسَ
عَلى حافَّةِ الغِيابِ،
حَيْثُ لا شُهُودَ
إِلّا نَبْضُنا،
ولا قانونَ
إِلّا أَنْ نَحْتَرِقَ
أَكْثَر…
وأَكْثَر…
حَتّى نَصيرَ
نَحْنُ
الضَّوْءَ.
بقلم : خالد عيسى