الخميس، 21 مايو 2026

Hiamemaloha

ياسر للكاتب سالم حسن غنيم

 ياسر

في مساءٍ شتويّ هادئ،

 كان أبو ياسر يجلس في شرفة بيته يتأمل ابنه “ياسر” العائد من جامعته،

 يجرّ خطواته ببطء وكأن الدنيا انطفأت في عينيه.

دخل ياسر إلى البيت بعصبية،

 ألقى حقيبته على الأريكة وقال بصوتٍ مكسور: – “لن أعود إلى الجامعة… 

الدكتور أهانني أمام الطلاب!”

رفعت الأم رأسها بفزع: – “ماذا قال لك؟”

أجاب وهو يضغط على أسنانه: – “قال إن مشروعي ضعيف…

 وإنني لم أتعب فيه بما يكفي.”

اقتربت الأم منه بسرعة،

 وربتت على كتفه: – “لا تهتم…

 الدكتور هو المخطئ… 

وأنت دائمًا الأفضل.”

لكن الأب ظل صامتًا.

كان يعرف أن ابنه لم يعتد في حياته على الخسارة أو النقد. 

فمنذ طفولته، 

كانت أمه تسرع لتحلّ عنه واجباته، 

وإذا نسي شيئًا حملته إليه، 

وإذا خاصمه أحد تدخلت لتحميه، 

وإذا تعثر في أمرٍ مهّدت له الطريق قبل أن يشعر بصعوبة السير.

نشأ ياسر في بيتٍ مليء بالحب… 

لكنه حبٌّ أخفى عنه وجه الحياة الحقيقي.

في تلك الليلة، 

جلس الأب بجوار ابنه وقال بهدوء: – “أتذكر يا ياسر حين كنت صغيرًا، 

وأردت أن تتعلم ركوب الدراجة؟”

هزّ ياسر رأسه بصمت.

قال الأب: – “يومها سقطت أكثر من مرة… وكنت تبكي، لكنني لم أحملك وأمنعك من المحاولة. تركتك تتألم قليلًا…

 لأنني كنت أعرف أن الألم الصغير سيمنحك توازنًا كبيرًا.”

تنهد ياسر وقال: – “لكن ما علاقة هذا بما حدث اليوم؟”

ابتسم الأب بحزن: – “العلاقة أن الإنسان الذي لا يتعلم الوقوف بعد السقوط… 

يكسره أول تعثر في الحياة.”

ساد الصمت للحظات، ثم أكمل الأب: – “يا بني… الدنيا ليست طريقًا مفروشًا بالتصفيق. ستجد من ينتقدك، ومن يرفضك، ومن يسبقك أحيانًا. المشكلة ليست في السقوط… المشكلة أن تعيش عمرك كله خائفًا من الوقوع.”

خفض ياسر رأسه، وشعر لأول مرة أن الكلمات تلامس شيئًا عميقًا داخله.

في اليوم التالي، استيقظ مبكرًا على غير عادته. دخل المطبخ، وأعدّ فطوره بنفسه، ثم حمل حقيبته وخرج.

استغربت الأم وقالت لزوجها: – “إلى أين ذهب؟”

ابتسم الأب وهو ينظر من النافذة: – “ذهب ليواجه الحياة… 

بدل أن نهرب له منها.”

مرت أسابيع، وتغيّر ياسر كثيرًا. صار يعمل بعد الجامعة لساعات قليلة، يدير مصروفه بنفسه، ويتقبل الملاحظات دون غضب. وحين فشل في مشروعٍ جديد، لم يغلق باب غرفته كما كان يفعل، بل جلس يعيد المحاولة حتى نجح.

وفي إحدى الليالي، عاد إلى البيت يحمل شهادته الجامعية، لكن والده لم يفرح بالشهادة بقدر فرحه بشيءٍ آخر.

لقد رأى في عيني ابنه لأول مرة… 

رجلًا يعرف كيف يقف وحده.

اقترب الأب منه وربت على كتفه قائلًا: – “الآن فقط… 

اطمأن قلبي عليك.”

فابتسم ياسر وقال: – “أدركت متأخرًا أنكم حين كنتم تزيلون كل حجر من طريقي… كنتم تمنعونني من تعلّم المشي.”

حكواتي الوجدان الشعبي

سالم حسن غنيم.


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :