"عدالة الصمت"
ثمة صمتٌ لا يشبه الهروب،
بل يشبه حقيقةً لا تجد ما يليق بها من الكلام.
في لحظاتٍ بعينها، يبلغ الإنسان من النضج ما يجعله أقل رغبةً في الشرح؛ لا لأنه عجز عن البيان، بل لأنه أدرك أن بعض المعاني إذا لم تُفهم بعفويتها الأولى، فلن تُقنعها كثرة الإيضاح.
فثمّة أشياء لا يفسدها الغياب وحده، بل يفسدها أن تضطر إلى تفسير وجعك لمن كان يكفيه أن ينتبه.
عند هذه العتبة، تتبدل اللغة كلها.
يغدو الصمت، على نحوٍ غريب، أكثر اكتمالًا من الكلام؛ لأنه لا يشرح ما ينبغي أن يكون بديهيًا، ولا يبتذل الكرامة بمحاولة إثبات ما كان يجب أن يُرى دون دليل.
التعامل بالمثل، في جوهره، ليس انتقامًا ولا برودةً مستعارة من جفاء الآخرين،
بل استعادة دقيقة لميزان اختل طويلًا.
كأنك ترفع يدك أخيرًا عن كفةٍ ظللت تسندها وحدك، فتتكشف الحقيقة بهدوء:
هل كانت العلاقة قائمة فعلًا، أم أن جهدًا واحدًا كان يمنحها وهم التوازن؟
في تلك اللحظة، لا ينكشف الآخر بقدر ما تنكشف الأشياء نفسها؛
عاريةً من المجاملة،
واضحةً على نحوٍ قد يكون قاسيًا… لكنه نزيه.
العتاب — مهما بدا نبيلًا — يحمل في أعماقه رجاءً مستترًا بأن يُبصر من لم يُرِد أن يرى.
لكن الوعي المتأخر لا يمنح الأشياء براءتها الأولى.
ثمّة كسور، ما إن تُشرح حتى تكون قد أعلنت نهايتها بالفعل؛ لا لأن الكلام عاجز عن الترميم، بل لأن بعض الشروخ لا تأتي من سوء فهم، بل من غياب الاكتراث نفسه.
ولهذا يبدو طلب الاهتمام مؤلمًا على نحوٍ لا يُحتمل.
ليس في الطلب ما يُهين،
بل في اضطرارك إليه.
أن تشرح احتياجك إلى من يفترض أن يشعر به، تلك خسارة خفية لا تعوضها الاستجابة.
فما يأتي بعد التذكير لا يشبه ما يولد من تلقائه.
يشبه وردةً وُضعت في يدك اعتذارًا عن نسيانٍ قديم؛ جميلةً في ظاهرها، لكنها تحمل ما يخذل أكثر مما يُرضي.
من هنا، يغدو التراجع شكلًا من أشكال الوفاء للنفس؛
ليس انكسارًا ولا استعراضًا للكبرياء، بل عودة هادئة إلى الحد الذي كان ينبغي ألّا تتجاوزه منذ البدء.
أن تتوقف عن الركض ليس لأن الطريق متعب،
بل لأنك التفتَّ أخيرًا، فاكتشفت أنك كنت تركض وحدك.
وربما كانت هذه هي العدالة الوحيدة الممكنة في العلاقات:
أن تعطي بقدر ما تجد للحضور من معنى،
وألا تواصل الرّي في أرضٍ لا تحتفظ بالماء، ثم تندهش من عطشها الأبدي.
ومع ذلك، يظل في الأمر شيءٌ غامض.
فليس مؤكدًا أن الصمت يصل،
ولا أن الآخر يسمع صدى فعله حين يعود إليه.
أحيانًا يمضي الناس خفافًا فوق ما كسروا، كما لو أن شيئًا لم يكن.
لكن الصمت لا يفقد حكمته إن لم يُفهم.
تكفيه نجاتك منه.
وربما لهذا لا يكون الجواب الصامت موجهًا للآخر كما نظن،
بل لأنفسنا أولًا؛
علامةً خفية تقول إننا تعلمنا كيف نحفظ ما تبقى فينا.
عند تلك النقطة، لا يعود البعد خسارة،
بل مساحةً يتسع فيها القلب ليرى نفسه بوضوحٍ لم يعرفه من قبل.
ثمة دروسٌ لا يمنحها العتاب،
ولا تكشفها وفرة الكلام.
وحده الصمت، حين يأتي في وقته الصحيح، يضع الحقيقة في مكانها،
ثم يتركها هناك،
مفتوحةً على تأويلها الأخير.
✍🏻 د. راوية عبدالله 🇾🇪