"كرامةُ الاعتذار ووهمُ العصمة"
النُّبلُ لا يُقاسُ بأن يظلَّ المرءُ بعيدًا عن الخطأ، فذلك وهمٌ لا يليق بطبيعة البشر؛ إذ ليس في هذه الحياة من يسير فوق الأرض بلا زلة، ولا من يعبر العمر دون أن يتعثر بحجرٍ من غفلته أو ضعفٍ من طينته.
لكنَّ الفارقَ الجوهري بين النفوس لا تصنعه العثرةُ ذاتها، بل ما يحدث بعدها.
فثمّةَ أرواحٌ إذا أخطأت، ارتجفت حياءً من الحقيقة، وأسرعت إلى مراجعة ذاتها، لأن كرامتها الداخلية أسمى من أن تتعايش مع زيفٍ تعرفه.
وثمّةَ أرواحٌ أخرى لا يزعجها الخطأ بقدر ما يزعجها انكشافه؛ فإذا افتُضحت هفوتها، لم تنشغل بإصلاحها، بل انشغلت بحياكة الأعذار حولها، كأن التبرير قادرٌ على محو الأثر، أو كأن البلاغة تستطيع أن تمنح الباطل هيئةَ الصواب.
وهنا يبدأ الانحدار الحقيقي؛
فليس السقوط أن تخطئ، بل أن تُقنع نفسك أن الخطأ حقٌّ لأنك اعتدتَه، وأن تكراره يخفف قبحه، وأن كثرة المبررات تصنع له شرعيّةً أخلاقية.
وهذه من أفدح خدائع النفس؛ إذ ما أكثر ما يخدع الإنسانُ الآخرين، وما أقل ما ينجو من خداعه لنفسه.
النبلاء لا يبررون أخطاءهم لأنهم أكبر من أن يستعينوا بالكذب لحماية صورةٍ مهتزة.
إنهم يدركون أن الاعتراف بالزلل رفعة، وأن الرجوع إلى الحق شجاعة، وأن الاعتذار الصادق لا يُنقص من الهيبة بل يهبها معنىً أعمق؛ لأن الكبرياء الحقيقي لا يقوم على ادّعاء العصمة، بل على امتلاك الشجاعة الكافية للاعتراف بالنقص.
أما الإصرار على الخطأ، فهو ليس قوةَ ثباتٍ كما يتوهم البعض، بل صورةٌ متنكرة من العجز؛ عجزٌ عن مواجهة الذات، وخوفٌ من أن يرى الإنسان هشاشته كما هي.
وحين يبلغ المرء مرحلةَ الدفاع المستميت عن خطئه، لا يكون قد حمى كرامته، بل يكون قد قدّم عقله قربانًا لوهم التفوق.
لهذا كان التكرارُ بلا مراجعةٍ بلادةً، وكان التبريرُ بلا وعيٍ حماقةً، لأن العقل الذي لا يتعلم من عثراته لا ينمو، بل يتيبّس؛ والروح التي تُكثر الاعتذار للخطأ حتى تألفه، تفقد شيئًا فشيئًا قدرتها على التمييز بين الصواب والانحراف.
وفي عُرفِ النبلاء،
الخطأُ درس،
والاعترافُ به فضيلة،
والتصحيحُ ارتقاء…
أمّا الإصرارُ عليه، فليس إلا سقوطًا يتجمل بثياب المكابرة، ولا يغيّر من حقيقته شيء.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪