الاثنين، 18 مايو 2026

Hiamemaloha

هندسة الحضور ومعمار الأثر للدكتورة راوية عبدالله

 "هندسةُ الحضور ومعمارُ الأثر"


ثمّة أرواحٌ تمرُّ في العالم كما تمرُّ الريحُ على السهول؛ تُحرّك الغبار لحظةً ثم تمضي، فلا يبقى منها سوى فراغٍ يستعيد سكونه سريعًا.

وثمّة أرواحٌ أخرى، لا تعبر الحياة بل تُعيد ترتيبها؛ كأنّ الوجود كان ينتظر وقع خطاها ليعرف صورته التي نسيها.


ليس الحضور أن تُرى؛ فالرؤية حادثةٌ عابرة،

بل أن تُقيم في الذاكرة إقامةَ المعنى في الكلمة؛ حضورٌ لا يُرى بقدر ما يُستعاد كلّما نطق القلب بالاسم.


فالناس كثيرًا ما يظنّون أنّ التشابه بابُ القبول، فيتخلون عن فرادتهم كما يتخلّى الخائف عن صوته في الزحام.

غير أنّ العالم، في جوهره العميق، لا يُصغي لما يُكرّر نفسه، بل لما يجيئه بنبرةٍ لم يألفها؛ فيرتبك لها كما يرتبك الليل أمام أوّل خيطٍ من الفجر.


ما يبقى من الإنسان ليس ملامحه التي حفظتها العيون،

بل ذلك الأثر الخفي الذي يظل يعمل في هندسة الأرواح؛

يبدّل صمتها،

ويفتح في وعيها شقًا خفيًا للسؤال.


ثمّة وجوهٌ نلقاها، فلا تضيف إلى أيامنا سوى رقمٍ جديدٍ في حساب العابرين.

وثمّة وجوهٌ أخرى، ما إن تمسَّ وعينا حتى ينقسم الزمن إلى ما قبلها وما بعدها، لا بوصفه تاريخًا، بل بوصفه تحولًا داخليًا لا يُقاس.


هؤلاء لا يحضرون كالأشخاص، بل كالاكتشافات؛

كأنّك لا تراهم لأول مرة، بل تستعيد عبرهم شيئًا قديمًا سقط منك في دهاليز العمر، وظللت تبحث عنه دون أن تدري.


وحين يغيبون، لا يتركون غيابًا فحسب،

بل يكشفون مقدار ما أعادوا تشكيله فيك؛

إذ لا يُدرك الضوء إلا حين تنطفئ المصابيح التي تعوّدناها.


لذلك، لا تُفرط في تهذيب ذاتك حتى تصير نسخةً مهذبةً من الجميع.

فالأرواح المصقولة أكثر مما ينبغي، تفقد قدرتها على عكس الضوء؛ لأنها تصير مرايا باردة، لا نارًا حية.


احتفظ بذلك التصدع الجميل فيك؛

فالاكتمالُ صمتُ الحجر،

أمّا الشقوقُ فهي اللغة التي يتسرب منها النور.


وكن كما أنت، لا كما يُراد لك أن تكون؛

فأكثرُ أشكال الفقد قسوةً أن تكسب العالم، بعد أن تكون قد خسرت نفسك.


فبعض البشر إذا رحل، ظلّ حضوره يعمل في الغياب كالجاذبية؛

لا يُرى، لكن كل شيءٍ من حوله يظل منحنيًا إليه.


وهؤلاء وحدهم،

لا يغدون ذكرى تعبر الطريق،

بل يصيرون الطريقَ نفسَه إلى المعنى.


✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪



Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :