"ذاكرةُ الأرواح… وما لا يحدثُ صدفة"
ثَمّةَ لقاءاتٌ لا تأتي من أبواب الحياة المعتادة،
ولا تعلن عن نفسها بوضوحٍ كافٍ كي نلتفت،
بل تتسلّل كضوءٍ خفيفٍ إلى غرفةٍ لم تكن تعرف أنها مظلمة.
بعض الأرواح لا تُقدَّم لنا كما تُقدَّم الأشياء؛
لا تعريفاتٍ تسبقها،
ولا مواعيدَ تبرّر حضورها،
بل تنبثق من الهامش،
من التفاتةٍ لم نُعِرها معنى،
من كلمةٍ ظننّاها عابرة،
ثم تمضي كأنها لم تفعل شيئًا…
غير أنها تغيّر كل شيء.
الغريب أن هذه اللحظات لا تبدو مختلفةً وهي تحدث،
كأنها تختبئ داخل عادية العالم،
حتى لا نكتشف أنها كانت استثناءً
إلا بعد أن نصبح أشخاصًا آخرين.
كأن الحياة تُتقن تمرير ما هو جوهريّ دون إعلان،
وتُخفي المعنى في أكثر صورها بساطة.
نمضي بين الوجوه كما يمضي الغريب بين مرايا لا تعكسه،
نرى، لكن لا نُبصر،
ونلتقي، لكن لا يحدث شيء.
ثم يحدث ما لا يُفسَّر؛
وجهٌ لا يطلب تفسيرًا،
وصوتٌ لا يحتاج إلى تمهيد،
وحضورٌ يبدو وكأنه يعرفنا قبل أن نصل إليه.
هناك، يتراجع السؤال قليلًا،
ولا نعود منشغلين بفكرة أن نُفهَم،
أو أن نُعيد ترتيب أنفسنا كي نُقبَل.
شيءٌ ما يستقرّ دون شرح.
الأرواح لا تقتحم بعضها؛
إنها فقط… تتوقّف عن الغربة.
وليس المهم كم يدوم هذا العبور؛
فبعض اللحظات لا تُقاس بزمنها،
بل بما تُسقطه من أقنعةٍ لم نعد بحاجة إليها.
ثَمّةَ بشرٌ يمرّون طويلًا دون أن يتركوا أثرًا،
وثمّة آخرون يمرّون لحظةً
فيتركون فراغًا مختلفًا…
فراغًا يشبه الامتلاء.
لا يبدو الأمر صدفةً تمامًا،
ولا يبدو قصدًا أيضًا،
كأنه شيءٌ ثالث
لا اسم له إلا حين يحدث.
كأن الأرواح لا تلتقي لأول مرة،
بل تُعيد ترتيب معرفةٍ قديمة،
تتعثر بها الذاكرة ولا تشرحها اللغة.
ولهذا يبدو بعض اللقاءات مألوفًا بلا سبب،
كأننا لا نتعرّف،
بل نتذكّر.
وفي النهاية،
لا تمضي الأشياء التي تلامس الروح حقًا،
إنها تستقرّ فيها
كجزءٍ خفيّ من هندستها الجديدة.
✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪