السبت، 9 مايو 2026

Hiamemaloha

تعلمت من زوجي الفصل الرابع عشر للأديبة ميسان مرعي

 كتاب 《تعلّمتُ من زوجي》

الفصل الرابع عشر

« تعلمت من زوجي كيف يكون الأب وطنًا»


 في قواميسِ اللغةِ، الأبُ هو الوالدُ والمنفِقُ، لكن في قاموسِ اللغةِ عند زوجي، الأبُ هو «الوطن».

ولطالما كنتُ أراقبه، بل وأعيشُ معنى الأبوّة وهو يُمارسُ أبوّتَه، لأُدركَ أن الأبوّةَ هي فنُّ احتواءِ الأرواح.

تعلَّمتُ منه أن الأبَ هو السقفُ الذي لا يسقطُ مهما اشتدّتِ الرِّياح،

وهو الملجأُ من عواصفِ الزمان،

والأرضُ التي لا تهتزُّ تحت أقدامِ صغاره،

ومهما تاهت بهم الدروبُ فهو لهم عنوان.

تعلَّمتُ من زوجي —رحمه الله وأسكنه فسيحَ جنّاته— أن الأبَ ليس مجرّدَ رجلٍ يوفّرُ الحياةَ المادّيةَ لأبنائه،

بل هو وطنٌ صغير، يُشعِرهم بالأمان، ويمنحهم الهويّةَ والانتماء، ويزرعُ فيهم القيمَ والأخلاق، ويحتويهم بحنانه وعطفه قبل أن يطلبَ منهم أيَّ شيء.

كان يرى في ابتسامةِ ابنتِنا البريئة، وفي بريقِ أعينِ أبنائه، رسالةَ حبٍّ ورعايةٍ لا تُقدَّرُ بثمن.

كانت علاقتُه بابنتِنا هي الدرسَ الأوّلَ لي في معنى «الحنانِ الفِطريّ».

رأيتُه كيف يُلاعبُها، ويحنو عليها، ويمسحُ دمعتَها وكأنّها غاليةٌ من غوالي الدُّنيا، وهي كذلك بالنسبة له.

تعلَّمتُ منه أن حنانَ الأبِ على ابنتِه هو «صمّامُ الأمان» الذي يحميها من عثراتِ الزمان؛

أمّا مع أبنائه، فكان حنانُه مزيجًا عجيبًا من اللِّينِ والهيبة.

لم يكن حنانًا يُفسِدُهم، بل يُرمِّمُ انكساراتِهم.

لم يكن يكتفي بتوفيرِ احتياجاتِهم اليوميّة، بل كان يحرصُ على بناءِ شخصيّاتِهم، وغرسِ الفضائلِ في قلوبِهم، فتجدُ في كلّ كلمةٍ منه درسًا، وفي كلّ تصرّفٍ نموذجًا يُحتذى، وأُسوةً يُقتدى بها.

لم يكن يعظُهم بالكلماتِ فحسب، بل كان هو «الموعظةَ الحيّة».

تعلَّمتُ منه أن الدِّينَ ليس مجرّدَ عباداتٍ تُؤدّى، بل هو خُلُقٌ يمشي على الأرض.

كان يأخذُهم من أيديهم برفقٍ نحو المسجد لأداءِ الصلاة، لا كواجبٍ ثقيل، بل كرحلةِ حبٍّ للقاءِ الله.

كان يُعلِّمُ أبناءَه أن العِظَمَ لا يكمنُ في المناصبِ والثروة، بل في التواضعِ وحُسنِ الخُلُق وصلةِ الرَّحم،

وأنّ التَّسامحَ مع الناس لا يُنقِصُ كرامتَنا، وأنّ العدلَ والحكمةَ في التصرّف يصنعان نُخبةَ القلب.

وأنّ القوّةَ الحقيقيّة في صدقِ القلبِ وحُسنِ العملِ لله، وأنّ سعادتَنا الحقيقيّة تكمنُ في أن نكونَ رُسُلَ رِفقٍ ومودّةٍ في البيتِ والمجتمع.

كان يزرعُ فيهم المبادئَ والأخلاق، ويُعلِّمُهم أن الجمالَ في الأدبِ والاحترام، ويغرسُ فيهم التواضعَ والترفعَ عن صغائرِ الأمور.

كان يحثُّهم على الصدق، ويُحبِّبُ إليهم العِلمَ والمعرفة، ويصقلُ شخصيّاتِهم بالإيمانِ بالله والتمسّكِ بالقيمِ النبيلة.

لم تكنِ النصائحُ مجرّدَ كلام، بل أفعالًا تتجسّدُ في حياتِه اليوميّة: صبرٌ، وعطاءٌ، وصلةُ رحم، وعدلٌ، ورحمة.

كان زوجي وطنًا حين يقفُ أمام أبنائه مثالًا للصدقِ والشجاعةِ والبطولة،

وطنًا حين يُعلِّمُهم أن كلمةَ الحقِّ أسمى من كلّ مكسب،

وطنًا حين يزرعُ فيهم حبَّ الخيرِ للناس جميعًا، لا يُفرّقُ بين قريبٍ وبعيد، صغيرٍ أو كبير، غنيٍّ أو فقير.

لقد تعلّم أبناؤه من حضوره أن الأخلاقَ ليست خيارًا، بل أساسُ كلِّ مجتمع،

وأنّ التربيةَ الحقيقيّة هي التي تجعلُ من الأبِ وطنًا صغيرًا يعيشُ فيه الجميعُ بأمانٍ وسلام.

لم يترك جانبًا من جوانبِ حياتِهم إلا وساهم فيه بالحبِّ والتوجيه: الدِّراسة، واللعب، والعبادات، والأخلاق، وحتى العلاقاتِ الاجتماعيّة.

كان يُحبُّ وطنَه الكبير بنفس شغفِ حبّه لأبنائه؛

يروي لهم قصصَ الأجداد، وحكاياتِ الأبطال، ويُشعِرهم بالفخرِ بتاريخِهم،

ويُعلِّمهم أن حبَّ الوطن يبدأ بمحبةِ الحقِّ والعدلِ والعطاءِ الصادق.

لم يكن مجرّدَ أبٍ في البيت،

بل كان قدوةً في المجتمع،

ومُرشِدًا في الأخلاق،

ومُعلِّمًا للحياة،

وحارسًا للقيم التي أراد لها أن تبقى جذورُها متأصِّلةً في أبنائه.

تعلَّمتُ من زوجي أن الأبَ وطنٌ لأنّه يوفّرُ الأمانَ قبل أن يكونَ البيتُ مأوى، ويغرسُ القيمَ قبل أن يكونَ المالُ رزقًا،

يُحبُّ بلا شروط قبل أن يطلبَ الطاعة،

ويقفُ إلى جانبِ أبنائه في كلّ تجربة، كبيرةً كانت أم صغيرة،

ويجعلُ من وجوده مأوى لكلّ قلبٍ محتاج.

حرصَ على أن يُعلِّمَ أبناءَه أن لذّةَ العطاء تفوقُ لذّةَ الأخذ…

فكان يُخرجُ صدقتَه في السِّر، ويُغيثُ الملهوف، ويجبرُ خاطرَ المسكين.

كان يُردِّدُ دائمًا أن في أموالنا حقًّا لليتامى والسائل والمحروم، وفي وقتِنا نصيبًا لخدمةِ الناس.

وهذا الغرسُ أجده اليوم بعد رحيله في طفلتي التي تحرصُ على الصدقةِ أيّما حرص، وتشعرُ دائمًا بمسؤوليّةٍ تجاه أيّ محتاج، وتُرفِقُ بأيّ فقير، رغم صِغرِ سنّها.

في حضوره، شعرتُ أنّ الأبَ ليس مجرّدَ شخصٍ في الحياة، بل هو مجتمعٌ صغير من الحبّ، والسكينة، والقيم، والدروس، والأمان الذي يظلُّ ممتدًّا في نفوسِ أبنائه حتى بعد رحيله.

كان يغرسُ في نفوسِهم أن الوطنَ ليس مجرّدَ حدودٍ جغرافيّة، بل هو «العِرضُ والكرامة والهوية».

وعلّمهم أن حبَّ الوطن يكونُ بالإتقانِ في العمل، وبالمحافظةِ على ممتلكاته، وبالذَّودِ عنه في المحافل.

كان يقصُّ عليهم قصصَ الرموزِ العظيمة، ويربطُهم بتراثِهم وتاريخِهم، كي يشبّوا وهم يشعرون أنّهم مَدينون لهذا الوطنِ العظيم.

فبذلك تعلَّمتُ منه أن الأبَ وطن، وأنّ الأبوّةَ ليست عطاءً وقتيًّا، بل رسالةُ حياةٍ كاملة، وسُنّةٌ صالحة تُنيرُ دروبَ الأبناء في كلّ المراحل، وتجعلُهم قادرين على أن يكونوا أناسًا صالحين، مُحبّين للخير، ملتزمين بالقيم، ومُخلِصين لوطنِهم الكبير كما كانوا مُخلِصين له في بيتِهم الصغير.

تعلَّمتُ من زوجي أن الأبَ الذي يكون «وطنًا» لأبنائه، يجعلُهم يواجهون العالم بقلوبٍ حديديّة.

تعلَّمتُ منه أن الأبَ وطنٌ في قلبك قبل بيتك،

وطنٌ في روحك قبل زمانك،

وطنٌ يعيشُ معك في كلّ خطوة، في كلّ ابتسامة، في كلّ درس، في كلّ دعاء.

وكلُّ ما زرعه من حبٍّ وأخلاق يبقى وطنًا لا يُنسى، ولا يزول، مهما طال الدهر.

رحل زوجي، 

رحل الأبُ العطوف، لكنّه أبى أن يتركَ لنا سوى دربِ الإيمان،

زرعَ الفضائل، وغرسَ حبَّ الخير،

كي يتعلّمَ منه أبناؤه الأخلاقَ قبل الدروس،

وحبَّ العلم قبل حبّ المال.

كان يحثُّهم على الصبر، والرحمة، والصفاء،

وحبّ الناس، وخدمةِ الخلق بكلّ طريقٍ وسبيل.

في حضوره، تعلَّمتُ كيف يكون الأبُ وطنًا،

كيف يكون الحبُّ حنانًا، والعطاءُ أمانًا، والوفاءُ عنوانًا.

«وكأنّني بلسان طفلتي حين تكبر بإذنِ الله أسمعها تقول»:

كان حضورُ أبي —الذي لم أرتوِ منه— وطنًا نتّسعُ فيه، وحنانُه حصنًا يحمينا من قسوةِ الدُّنيا.

في كلّ ابتسامةٍ منه، وفي كلّ نصيحة، وفي كلّ لمسةٍ حانية، كنّا نشعرُ بأنّنا نكبرُ مع وطنٍ صغير هو قلبُه.

فكان وطنُنا الأبديّ هو قلبُه، وملاذَنا في كلّ ضيق.

فيه تعلّمنا الأخلاق، وارتوينا من العلم، وتعلّمنا أن نُحبَّ الخيرَ للناس،

وأن نحميَ وطنَنا بقلوبٍ صافية، ونزرعَ في أعماقِنا مبادئَ الإيمان، والصبر، والوفاء.

ومعه عرفنا أنّ الأبَ ليس فقط من يُعطي الحياة، بل من يغرسُ القيمَ ويزرعُها في أرواحِنا لتكبرَ وتُثمر.

رحلَ، لكنّه فينا باقٍ،

باقٍ في كلّ ابتسامة، في ملامحِنا التي تُشبهه،

باقٍ في كلّ دعاء،

حاضرٌ دائمًا، لا يُنسى.


الوطن ليس أرضًا فقط… بل قلبًا إذا رحل تصدّعت الجدران...

والأب وطنًا… حين يُستشهد، يُصبح الغياب احتلالًا دائمًا.


يتبع...........  

بقلمي/ بيسان مرعي


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :