الثلاثاء، 12 مايو 2026

Hiamemaloha

العبور بلا دروع امتحان التجرد للدكتورة راوية عبدالله

 "العبورُ بلا دروع: امتحانُ التجرّد"


أقفُ هذه المرّة

لا كامرأةٍ تتزيّنُ لنجاةٍ مؤقتة،

ولا كأنثى تُتقنُ هندسةَ الفتنة،

وتعرفُ كيف تُميلُ الجهاتِ إلى كفّها.


أقفُ، فحسب،

ككائنٍ أنهكهُ الدورانُ حول صورته،

حتى صار الغموضُ فيه أكثر وضوحًا من ملامحه،

والتكرارُ أكثر صدقًا من ملامته الأولى لنفسه.


فقرّر أخيرًا

أن يخرجَ من مرايا العالم،

خفيفًا من كلِّ ما تعلّمهُ عن كيف يكون محبوبًا.


أخلعُ عن روحي

ذلك التاريخَ الثقيلَ

الذي تراكم فوق الكتف بصبر القرون.


وصايا النساء الأوائل ما زالت هناك،

لكنها تُقال الآن بصوتٍ أبعد:

أن القلب لا يُؤتمن،

وأن النجاة مسافة،

وأن الإفصاح خسارةٌ محسوبة.


لم أعد أسمعها كيقين،

بل كأثرٍ لما كان يقينًا يومًا.


أتنصّلُ من تلك الحكمةِ العتيقة،

لا رفضًا لها،

بل لأن المعنى حين يطول بقاؤه

يتحوّل من بصيرةٍ إلى عادة،

ومن حمايةٍ إلى قيدٍ ناعم.


والعادة، حين تستقرّ،

قد تُعطّل الدهشة أكثر مما تُنقذها.


لهذا

أجربُ أن أقتربَ منك

من غير خرائط نجاة.


أدعُ قلبي يمشي

كما تمشي المياهُ حين لا تفاوضُ انحدارها،

بلا مقاومةٍ ولا ادّعاء اتجاه.


لا أرتّب ملامحي هذه المرّة،

ولا أتهيّأ لدورٍ مسبق الصياغة.


لا كبرياء يحرس المسافة،

ولا برودٌ يتخفّى خلفه الخوف.


فقط حضورٌ أقلُّ حراسة،

وأكثر صدقًا مع احتماله.


وفي الداخل

شيءٌ صغير كان مؤجّلًا دائمًا:

طفلٌ لم يُمنح فرصة التجربة دون حساب العواقب.


أتركه الآن

يمدّ يده نحو المجهول،

من دون أن يُسأل عمّا سيخسره.


ثم أقترب.


لكن الاقتراب هنا

لا يشبه حركةً نحو الآخر بقدر ما يشبه حركةً نحو المعنى.


كأن المسافة بين روحين

ليست فراغًا يُقطع،

بل سؤالًا يُعاش،

ولا يُفهم إلا حين يُخاطر أحدهما بالعبور.


وفي الطريق

تنهض الأصوات القديمة في الخلف:


الحذر أول الحكمة،

والكشف ضعف،

والصدق مخاطرة لا تُحمد.


أصغي إليها،

لكنني لا أتباطأ.


لأن ما أُتعبني ليس الخسارة،

بل النجاة التي تُبقي الإنسان كامل الحذر،

ناقص الحياة.


وتلك الانتصارات الصغيرة

التي لا تترك في القلب أثرًا،

ولا تمنحه فرصة أن يُرى كما هو.


لهذا

أضعُ بين يديك

نسختي التي لم تُصقلها الحماية الاجتماعية بعد.


نسخة خام،

محمّلة بتناقضها،

بخوفها،

وبرغبتها البسيطة في أن تُفهم

دون تأويلٍ زائد.


إن قرأتني

كما تُقرأ النصوص النادرة

ببطءٍ،

وبقدرٍ من الإصغاء لا الاستهلاك،


فسأصدق أن الصدق

ليس خطأً كاملاً كما يُقال عنه.


وإن لم يحدث ذلك،

فلن تكون خسارتي في الرفض.


بل في شيءٍ أبعد:

أن نقضي العمر كلّه

مقبولين،

لكن غير مرئيين،

داخل نسخٍ من أنفسنا

لا تشبهنا.


✍🏻د.راوية عبدالله🇾🇪



Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :