رحيلٌ بلا مرافئ
رحلتِ…
فصارَ العمرُ بعدَكِ موحشَ الدُّورِ
وصارَ القلبُ يمشي تائهَ الشُّعورِ
رحلتِ…
وكانَ الصمتُ أكبرَ من حكايتِنا
وأقسى من ليالي البردِ والمطرِ الغزيرِ
كأنَّ الكونَ بعدكِ
فقدَ الألوانَ، وارتبكَتْ ملامحُهُ
وصارَ الحزنُ يسكنُ في ضميرِي
أيا امرأةً
مرَّتْ كالحلمِ في عُمري
وغابتْ مثلَ أسرابِ الطيورِ
أحببتُكِ
حتى صارَ نبضُ القلبِ يعرفُكِ
وتحفظُكِ الشوارعُ والجسورُ
وحتى الليلُ
كانَ إذا ذكرتُكِ مرّةً
يبكي، ويشتاقُ السُّهادُ إلى السُّطورِ
كنتِ الأمانَ إذا تعبتُ من الأسى
والدفءَ حينَ يطولُ في الدنيا المسيرُ
كنتِ البدايةَ في فصولِ حكايتي
والنورَ حينَ يضيقُ بالدربِ المصيرُ
لكنَّ ريحَ البُعدِ
كانتْ أقوى من الأشواقِ
واجتاحَتِ الحنينَ بلا شعورِ
فتركتِ قلبي
مثلَ بيتٍ هاجرَتْ منهُ الحياةُ
وأقفرتْ ساحاتُهُ بعدَ السرورِ
أصبحتُ أبحثُ عن بقايا ضحكةٍ
كانتْ تُضيءُ العتمةَ السوداءَ في صدري الكسيرِ
وأفتِّشُ الأيامَ
علّي ألتقي ظلًّا
يشبهُ وجهكِ العذبَ المنيرِ
لكنني وجدْتُ
أنَّ العمرَ بعدَكِ مقفرٌ
كالريحِ تعصفُ في الصحارى والصخورِ
يا من أخذتِ القلبَ
ثم رحلتِ عني فجأةً
وتركتِني بينَ الظنونِ وبينَ نارِ المستحيلِ
كيفَ استطعتِ كسرَ هذا العشقِ
دونَ تردّدٍ؟
وكأنَّ قلبي لم يكن يومًا ملاذَكِ أو عبيرِي
أنا لا ألومُكِ…
ربما الأقدارُ أقسى من تمنّينا
وربما الأحلامُ تمضي للغروبِ بلا رجوعٍ أو حضورِ
لكنَّني ما زلتُ
أحملُ في زوايا الروحِ صورتكِ
وأخافُ من ذكرى الرحيلِ إذا تدورُ
ما زلتُ أسمعُ ضحكتكِ
في الليلِ حينَ ينامُ كلُّ الناسِ
ويصحو الحزنُ منفردًا يثورُ
وأراكِ في عينيَّ
كلَّما مرَّ المساءُ
وأقبلَ الصمتُ الثقيلُ معَ الفتورِ
يا وجعَ السنينِ إذا تناثرَ حلمُنا
مثلَ الزجاجِ على الطرقاتِ المهجورةِ والدروبِ
ويا خسارةَ قلبِ عاشَ مخلصًا
حتى توهَّمَ أنَّ حبَّكِ لا يبورُ
علّمتِني
أنَّ الرحيلَ حكايةٌ موجعةٌ
وأنَّ بعضَ الناسِ يأتي ثم يغدو كالعبورِ
بقلم عزه كامل 🖋️