الجمعة، 31 يوليو 2026

معلقة التجربة للشاعر محمد علي باني

 معلقة؛ التجربة 


رحلة الإنسان في مدرسة الحياة 


بقلمي الشاعر محمد علي باني 


مقدمة وجدانية؛


ليست الحياة كتابا يقرأ صفحاته الأولى فقط، بل هي مدرسة واسعة ، أبوابها الأيام، ومعلموها التجارب. 

فالإنسان لا يولد حاملا لكل الأسرار، وإنما يكتسب الحكمة من عثراته ، ومن قصص الذين سبقوه ، ومن أيدي أصحاب الصنائع الذين جعلوا من التعب طريقا إلى الإتقان. 


كم من خطأ صار بداية صواب وكم من محنة فتحت باب معرفة، وكم تجربة عند غيرنا اختصرت علينا طريقا طويلا من الألم . 


هذه المعلقة رحلة شاعر يبحث عن سر النجاح، فيطوف بين أهل الخبرة ، ويسألكم كيف بلغتم الإتقان؟ فيعود بجواب واحد ؛ بالعلم ، والصبر، والتجربة ، وحسن العمل.


نص المعلقة؛ 


قفا نبك مستجلي من صروف الليالي 

كتابا به للمهتدين بصائر 


فما ولد الإنسان يحمل حكمة 

ولكنها بالتجربات  تنور 


وكم عثرة ألقت إلى العقل حكمة 

وكم محنة بعدها الفجر يسفر 


ومن سأل الأيام عن سر دربها 

يجد في خطى من قد مضوا لا يذكر 


فلا تحقرن يوما تجارب غيرك 

ففي قصص الأقوام علم مسطر 


دخلت سوق الخبرة اليوم سائلا 

عن السر في كف المجيد المباهر 


فقالوا؛ طريق الحذق صبر وهمة 

ومن يزرع الإتقان يجن المفاخر 


وصرت إلى الطبيب يضمد جرحنا 

ويحمل قلبا بالرحيم ينور 


فقلت؛ أيا من في المداواة خابر 

بم ارتقت الأيدي و هذا التدبر ؟


فقال؛ علمت الدرب بعد تجارب 

وما صان علمي غير صبر وتفكر 


رأيت ألم الإنسان درسا معلما 

يرقي فؤاد الطبيب ويذكر 


وما زلت أمضي في الطريق فلاقني 

حداد على نار المشاق يسطر 


يطوع حديدا في اللضى بعزيمة 

وفوق يديه الصعب يلين ويصغر 


فقلت؛ أيا صانع الحد أخبرني 

لماذا يقوي النار ما هو أقسر؟


فقال؛ كذلك المرء تصقله المحن

فمن صانه عزمه في الشدائد يظفر 


وما لان حديد بغير لهيبه 

ولا صار حرا من من الخوف يفرر 


وما زلت أمضي في الطريق متأملا 

إلى موج بحر بالعجائب يزخر 


فلاح بحار في السفينة قائما 

وفي كفه سر من العلم يذكر 


فقلت؛ أيا من صاحب الموج مدة 

كيف النجاة والطريق مخاطر ؟


فقال؛ ليس الفوز بالقوة وحدها 

ولكن بقعل في الشدائد يدبر 


أراقب ريح البحر قبل هبوبها 

فإن حسن الرأي للخوف قاهر 


فكم سفينة قوم أغرق الغرور 

وكم نجا من بالحكمة يبادر 


وخرجت من بحر المخاطر هادئا 

إلى أرض قوم بالمحاصيل تزهر 


فلاقيت فلاحا يقلب تربة 

وفي كفه بذر الرجاء ينور 


فقلت؛ ايا من أودع الأرض سرها 

كيف الثمار من المنايا تحرر؟


فقال؛ أرى في التربة سرا مخبأ 

وأعلم أن الغيب يوما يظهر 


أواري البذور ولا أرى فور نبتها 

ولكن يقين الصبر في القلب يزهر 


فلا تطلب الحصد قبل مواسمه 

فلكل أمر في الزمان مقدر 


ومن زرع الإحسان في أرض عمره 

سيحصد غدا ودا وذكرا معطر 


وما زلت أمضي في الطريق مراحلا 

إلى باني الأمجاد والفن يبهر 


رأيت بناء يرفع الصرح شامخا 

ويجعل من صمت الحجارة ما يذكر 


فقلت؛ أيا باني المعالي أخبرني 

بم ثبت البنيان والدهر يغدر؟


فقال؛ أقم أصل البناء محكما 

فمن صان أساسه لا يتكسر 


وما زينة الجدران تبقى لصاحب 

إذا كان تحت الزين أصل مدمر 


كذلك بناء المرء في عمره الذي 

بأخلاقه يبقى بالخير يذكر 


فلا تبن مجدا فوق وهم مزين 

فما كل ما يعلو يدوم ويستمر 


وشيد صروح النفس بالعلم والتقى 

فذاك بناء في الزمان معمر


ومازلت أمضي في الطريق مفكرا 

افتش عن سر له العمر يذكر 


فلاقيت من يغرس الحرف في الصبا 

ويجعل عقل النشيء منورا 


فقلت؛ أيا باني العقول بحكمة 

بم نلت هذا المجد والفضل أكبر؟


فقال زرعت العلم في أرض أمة 

فأثمر فكرا في الحياة يسطر 


وما المال إلا عابر في مسيرة 

وما علم المرء فالفكر يزهر 


فكم عالم أحيا بعلمه أمة 

وكم جاهل أمسى وذكراه تدثر 


فخذ من كتاب العلم زادا لرحلة 

إن طريق المجد بالعلم يعمر 


رجعت وفي قلبي من الدهر حكمة 

وفي خطوتي نور من العلم يسفر 


رايت حياة المرء مدرسة العلا 

وأن كتاب العمر بالفعل يقرأ 


فما المرء بالمال الذي قد جمعه 

ولكن بأثر بعد رحلته يذكر 


ومن أخذ الأيام درسا وعبرة 

رأى في طريق العمر ما يتنور 


ولا تحسب الخطأ إنكسارا مؤبدا 

فرب خطأ منه صوب يسطر 


فكم من فتى أخطأ الدرب ثم إهتدى 

وكم من جريح بالعزية يظفر 


فخذ من تجارب من مضى ما يقوم 

خطاك ، ففي تريخهم ما يحذر 


وكن صانع الخير الذي لا يغيب 

فإن صدى الإحسان بعدك يذكر 


وما الإنسان إلا راحل في مسيرة 

ويبقى له ما في القلوب ينور 


التوقيع؛


أنا إبن حرف إذا ما لامس الألم 

نبض الحنين به، وارتد ملتهما 


محمد علي باني/ تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق