حين يغدر الزمان
حينَ الزمانُ بنا أدارَ ظهــورَهُ
وتبدّلتْ بعدَ الوفاءِ ديــارُ
مَن كانَ بالأمسِ القريبِ مُحبَّنا
أضحى كأنَّ القلبَ منهُ غُبــارُ
أعطيتُهم قلبي، فخانوا عهدَهُ
وكأنَّ قلبي عندهمْ أســرارُ
ما كنتُ أطلبُ غيرَ صدقِ مشاعرٍ
لكنْ تغيّرَ في الطريقِ مســارُ
كم صاحبٍ قالَ: «سأبقى دائمًا»
حتى أتاهُ من الزمانِ فرارُ
فمضى، وتركني أفتّشُ في المدى
عن وعدِه، والليلُ والأفكــارُ
يا أيها الزمنُ الذي علّمتني
أنَّ الوجوهَ كثيرةٌ، والأقنــاعُ نارُ
علّمتني أن لا أصدّقَ ضحكةً
فوراءَ بعضِ ضحاكِها أضــرارُ
وعرفتُ أنَّ الحبَّ ليسَ حكايةً
تُروى، ولكنْ موقفٌ وإصــرارُ
وأنَّ من يبقى إذا ضاقت بنا
دنيا، هو الصاحبُ الذي يُختــارُ
لا من يجيءُ مع الربيعِ وإنّما
يأتيكَ حينَ تكونُ فيهِ ثمــارُ
قد كنتُ أكرهُ أن أقولَ وداعَنا
لكنْ لبعضِ الناسِ لا أعــذارُ
فالجرحُ إن طالَ المقامُ بداخلٍ
صارَتْ لهُ في مهجتي آثــارُ
وأنا الذي أبقيتُ بابي للوفا
رغمَ الخيانةِ، والقلوبُ حَذارُ
ما غيّرَتني خيبةٌ عن مبدئي
فالطيبُ طيبٌ، والغدرُ انكســارُ
لن أستبدلَ بالوفاءِ خديعةً
فأنا ابنُ قلبٍ لا يحبُّ غــدارُ
سأظلُّ أمشي، لا أمدُّ يدي إلى
من باعَ عهدَ الودِّ وهو خَســارُ
إن كانَ هذا الدهرُ قد أوجعني
فاللهُ أرحمُ، والرجاءُ مَنــارُ
أشكو إليهِ، ولا أشكو للورى
فالشكوى لغيرِ اللهِ فيها عــارُ
هو عالمٌ بالدمعِ خلفَ ابتسامتي
وبكلِّ سرٍّ في الفؤادِ يُــدارُ
يا ربُّ إن ضاقتْ عليَّ مسالكي
فببابِ رحمتكَ الواسعِ استقــرارُ
واجعلْ ختامَ العمرِ بعدَ مشقّةٍ
فرحًا، فإنَّ الصبرَ فيهِ ثمــارُ
وسأتركُ الماضي وراءَ ظهري، فما
بعدَ الغروبِ سوى الصباحِ يُنــارُ
إن خانني زمنٌ، فلستُ بخاسرٍ
ما دامَ في قلبي من الإيمانِ نــارُ
فأنا وإن كسرتْ حياتي مرةً
سأعودُ أقوى، والكرامةُ دثــارُ
حينَ يغدرُ الزمانُ، لا أنحني،
فأنا ابنُ صبرٍ لا يلينُ ولا يُغــارُ.
بقلم محمد عربي – الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق