بقلم الأديبة زهرة فرحات
نحن لانختار كيف نعيش حياتنا....
اقدارنا تختارنا...
من الصعب جدا أن نقتع بذلك...كل يوم يمر هو مخطط له مسبقا...في كثير من الأحيان حاولت أن اخطط أنا لبعض الأمور....واصنع تصورا لما سوف تؤول إليه الأمور...
رغم اصراري وحرصي..اجدني اتراجع خطوات..حتى جاء يوم استسلمت كليا..بمعنى اصح كأني ركبت سفينة وتركت الأمر للربان الإلهي يقذف بها كيفما يشاء...لم يأتي استسلامي من فراغ..
محاولات كثيرة ثم ايقنت أن حياتي أفضل مما قد تكون عليه..خاصة عندما كنت أرى فتاة اعرفها
وكنت اعتبرها صديقة سرية..كنت اتقرب منها في المناسبات التي تجمع بيننا دون أن تدري..هي بيننا وينهم صلة نسب...كنت أحاول أن استمد من حديثها العفوي بعض الحكمة أو القوة والرضا...الغريب في الأمر..اني أفكر فيها كثيرا...لاني ارى بصمات القدر قد خطت معالم حياتها بطريقة عجيبة..ومع ذلك لا أراها تعترض على شيء..فتاة حرمت من التعليم..
بسبب خوف أمها عليها...اتمت المرحلة الابتدائية ثم لازمت البيت...كانت الصغرى في اخواتها وهن أيضا لم يكملن تعليمهن...رغم انهم يعيشون في محيط اغلب الفتيات اكملن تعليمهن الجامعي...لم افهم الأمر أو الاسباب..
أثر هذا على حياتها كثيرا..فخوف امها المبرر أحيانا وغير مبرر أحيانا اخرى سبب لها عقد نفسية..
كانت على قدر من الجمال بعينيها الخضروان..وشعرها الاصفر...لكن ذلك الجمال اختبأ خلف حالتها التي تعيشها
الأمر الغريب أنها كانت مستسلمة اغلب الوقت..لافكار أمها فهي تلازمها ليلا نهارا
منذ الوهلة الأولى حين الجلوس معها تشعر بخوفها...كنت احب الاستماع لها لكنها لم تملك من لغة الحوار سوى كلمات معدودة..عندما أراها سواء في الطريق او في احدى المناسبات..
احزن كثيرا لحرمانها من التعليم وأيضا من عيش حياتها كما رفيقاتها في العمر..
هي اصغر مني بسنوات..لم تتغير حياتها طوال سنوات إلا إلى الأسوأ..خاصة حالتها الصحية...مع أنه أحيانا احسست بأنها تحسنت من الناحية النفسية..فصارت تحب أن تتحدث معنا..
وأيضا تحب المزاح والضحك...لااعرف شيء ما بداخلها يجذبني كثيرا...وعندما سالتها في أحد الأيام...كيف حالك..اجابت بعفوية...وبلكنتها المرتجفة..الحمد لله..
شنو حالي..ضغط وسكر وحالة نفسية..
أنا تأثرت لكلامها جدا ولكنها ضحكت فضحكت معها...وقلت لها ربي يشفيك ويعافيك..
هنا عرفت مالذي كان يبهرني فيها...ذلك الرضا بحياتها وقدرها الذي عاشته رغم أنه ليس به شيء يجعلك تكون سعيدا...كانت تزورني في بعض الأحيان..هي تعرف باحساسها أني احبها..
نجلس معا..عندما اقدم لها ضيافة كانت ترفض..لم افرض عليها شيء..كانت تقول عندي سكر وضغط..هكذا تتحجج لكني كنت افهمها..هي فقط تخجل..كنا نجلس معا في داخلنا نتشارك بمشاعر..الحب كأنها اختي..لا ليست مشاعر شفقة..انا متيقنة أنها مشاعر اعجاب بقوتها وتحملها لحياتها...كنت استمد منها الصبر... عندما تمر بي اي مشكلة..كنت اقول لنفسي انظري لتلك الفتاة كيف تعيش حياتها بصبر ورضا...
لا توجد احاديث طويلة بيننا..احيانا نصمت وأحيانا نضحك على كلمة لكي اكسر الصمت..
فاجاباتها واضحة ومكررة في كل سؤال...استغرب أكثر أنها لا تشكو من أحد ولا تشكو من الحياة ولا من اي شيء...
وجودها في حياتي علمني كيف اكون راضية..علمني أن لا أشكو..ان أحب حياتي كما هي لا كما أريد أو اتمنى...تعلمت منها مالم اتعلمه طيلة فترة دراستي..وحياتي بين أشخاص اخرين..رغم أن لقاءاتنا كانت قليلة...إلا أنها تركت أثرا في نفسي..لازلت متمسكة به...صديقتي توفيت بعد وفاة امها بعام وفي نفس الشهر...
رحمها الله وغفر لها..
كنت أقول لها أنت من أهل الجنة تمشين على الارض....لا أعرف أن كانت تفهم مااقصده...
سلام على أناس يعيشون بيننا هم من أهل الجنة...
قلمي..
زهرة فرحات