إضاءات نقدية للأديب الناقد الأستاذ جمال عتو
نلتقي مجددا اليوم في فقرة إضاءات نقدية بمنتدى نبض القلم للشعر والأدب متناولين نصا قصصيا قصيرا للكاتبة الأمريكية " إيرما بومبيك " نقلها إلينا أديب عراقي لقب نفسه ب " خريف الزمن " على صفحات المواقع الاجتماعية .
""""""""''''''''''''''''''''''''''"""""""""""". """"""''''""""""""""""""""""""""""""
صورة الشجرة الوحيدة تذكرني بما كتبته الكاتبة والصحفية الأمريكية الراحلة " إيرما بومبيك" : عن والدها.
شجرة وارفة عاشت والجميع مستفيد منها وستموت وحيدة ..
قصة الكاتبة:
" لم يكن أبي يفعل شيئاً فلماذا افتقدته الى هذا الحدّ ؟!
عندما كنت صغيرة بدا لي أن الأب مثل مصباح الثلاجة ،،ففي كل بيت مصباح في الثلاجة لكن لا أحد يعرف تماماً ماذا يفعل حين ينغلق باب الثلاجة
كان أبي يغادر البيت كل صباح وكان يبدو سعيدا" برؤيتنا ثانية. " حين يعود مساء"..🥀
كان يفتح سدادة قارورة المخللات على المائدة حين يعجز الجميع عن فتحها..كان الوحيد في البيت لا يخشى النزول بمفرده إلى القبو..كان يجرح وجهه و هو يحلق ذقنه،لكن أحداً لم يتقدّم ليقبله أو يهتم بما حصل له ،، حين يمرض أحدنا نحن الأولاد كان هو من يذهب للصيدلية لإحضار الدواء.
كان دائماً مشغولاً ، كان يقطع أغصان الورد في الممر
لباب المنزل ليومين ویعاني من وخزات الأشواك
و نحن نسير للباب الأمامي للمنزل ....
هو الذي كان يوقع بيانات علاماتي المدرسية..وقد أخذ لي صوراً لا تحصى من دون أن يظهر في واحدة منها..
و هو الذي كان يشد لأمي حبال الغسيل المرتخية.
و كنت أخاف من آباء كل الأولاد إلا أبي لاأخاف منه
أعددت له الشاي ذات مرةو كان عبارة عن ماء فيه سكر بدون شاي ومع ذلك جلس في المقعد الصغير
و أخبرني أنه كان لذيذاً ،،، وبدا مرتاحاً جداً 🥀
عندما كنت ألهو بلعبة البيت كنت أعطي الدمية الأم
مهمات كثيرة، ولم أكن أعرف ماذا أوكل من الأعمال
للدمية الأب، لذلك كنت أجعله يقول: أنني ذاهب للعمل الآن، ثم أقذف به تحت السرير....
و ذات صباح عندما كنت في التاسعة من عمري لم ينهض أبي ليذهب الى العمل ..
ذهب إلى المستشفى
ووافته المنية في اليوم التالي..💔
ذهبت الى حجرتي وتلمست تحت السرير بحثاً عن الدمية الأب،وحين وجدته نفضت عنه الغبار ووضعته على الفراش....
لم أكن أتصور أن ذهابه سيؤلمني الى هذا الحد ....
لكن ذهابه لايزال يؤلمني جدا حتى الآن وافتقده 💔
____________________********___________________
" شجرة وارفة عاشت والجميع مستفيد منها وستموت وحيدة .." ، لا ندري هل هذه الجملة عنوان قصة الكاتبة الأمريكية الراحلة أم تعبير من كاتبنا العراقي ، لا يهم بقدر مايهمنا المشترك الإنساني النبيل الذي جمع الكاتب العربي بالكاتبة الغربية ، " الشجرة الوحيدة " التي ذكرته بما خطته الراحلة ، الشجرة الوحيدة هي الأب موضوع القصة ، يصور لنا النص الذي بين أيدينا البطلة وهي ترفل في عالم الطفولة حيث البراءة ودفء الأسرة ، وينبري أمامنا والدها الذي بدى لها لا يؤدي أدوارا كبيرة ، في تقديرها طبعا كان يقوم بأعمال بسيطة روتينية : يفتح سدادة قارورة المخللات ، لا يخشى النزول بمفرده إلى القبو ، يقطع أغصان الورد عند الممر ، يوقع بيانات العلامات المدرسية ، يشد للأم حبال الغسيل المرتخية ، يحضر الدواء من الصيدلية ، الأب لم يكن يهتم لأمره أحد ، كان أقرب لخادم يؤدي أدوارا " استثنائية " في صمت ، في نكران الذات ، في تواضع مثير ، وحتى وإن مرض يوما لا يلتفت إليه أحد ، قدمت له الابنة ماء بسكر بدون شاي أخبرها بأنه كان شايا لذيذا وبدا مرتاحا جدا ، بطلة القصة الابنة الصغيرة توكل أدوارا مهمة للدمية الأم ولم تكن تدري ماتوكله للدمية الأب فتجعل الأب يقول بانه ذاهب إلى عمله الآن ، فتقذف به تحت السرير .
ذات صباح لم ينهض الأب ليذهب إلى العمل كعادته ، بل ذهب الى المستشفى ويرحل الى العالم الآخر في اليوم التالي ، تتقفد الابنة ذات التاسعة من العمر دمية الأب تحت السرير ، تنفض عنه الغبار ، تضعه على الفراش فتعبر أخيرا :
" لم أكن أتصور أن ذهابه سيؤلمني الى هذا الحد ....
لكن ذهابه لايزال يؤلمني جدا حتى الآن وافتقده " .
مكان الأب أصبح إذن فارغا ، تلك الشجرة الوحيدة التي كانت تثمر في صمت ، وتظلل في صمت ، وتعطي في نكران ذات ، وتؤدي أدوارا بسيطة لكن وجوده كان كمصباح الثلاجة " لكن لا أحد يعرف تماماً ماذا يفعل حين ينغلق باب الثلاجة "
النص يحيلنا على قيمة الأب ومكانته في الأسرة ، وعلى مدى أثر رحيله ، وهو الأثر الذي سيبقى لا محالة موشوما في قلب الإبنة وذاكرتها .
الشجرة الوحيدة موضوع المشترك بين كاتبنا العربي والأديبة الأمريكية الراحلة ، الشجرة الوحيدة التي تحمل سرا مقدسا حول شخصية الأب ، تأثيره ، أداؤه ، حضوره ، غيابه .
صورة الشجرة الوحيدة التي شغلت ذهن الكاتب واستدعى من خلالها نصا قصصيا لكاتبة غربية ، لم ير في الشجرة الوحيدة سوى شخصية الأب ، أليس ذلك سوى أن الكاتب رجلا أبا ؟ أم رأى في نص الكاتبة هاجسه الذاتي ؟ هل عاش كاتبنا ظروفا مشابهة ؟ هل رأى نفسه في النص ؟ لماذا لم يذكر شخصية الأم ؟ أسئلة مفتوحة على الكاتب والقارئ معا غرضنا منها استدعاء سر هذا المشترك وأبعاده .
القارئ مشدود لذاته عندما يتجول بين ردهات القراءة ، وعندما يجد نفسه في نص يحبه ويكتب عنه ، أو ينشره كاملا بأمانة كما فعل كاتبنا ، فما السر في ذلك ؟ .
يبقى النص الذي بين أيدينا مركبا مادام يشتغل على مشترك واحد رأيناه مهما للغاية لتقديمه عبر هذه الورقة .
إلى أن نلتقي في الأسبوع القادم مع نص آخر وقلم آخر نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه .