🌺في حضن المجهول
بقلم ذة . لطيفة ناجي
توقفت حافلة النقل المزدوج، وسط طريق جبلي كله منعرجات ومخاطر، طريق لم تشهد ترميما منذ حصول البلاد على الإستقلال وذلك قبل عقود من التاريخ مضت عقيمة، مكفهرة، كالجو الخانق في ذلك اليوم الشديد الحرارة من شهر شتنبر. أجواء توحي للناظر بمناخ شبه صحراوي لا يطيقه سكان الواجهة الساحلية الذين ينعمون ببعض الرطوبة والانتعاش.
صاح سائق الحافلة، وهو يخاطب الركاب :
"هذا هو دوار بني... ،يمكنكم النزول، سأتولى أمر أمتعتكم،لقد أصيب مساعدي بوعكة صحية، وها أنا، لوحدي أقوم بكل شيء..."
أكمل جملته وهو يهمهم، وبصق، بعيدا في حنق شديد. نزلت شابة، جميلة المحيا في عقدها الثاني، وهي تتفحص الأماكن من خلف نظارتها السوداء، وكأنها تكتشف الأماكن لأول مرة. كانت ترتدي قبعة تقيها حر الشمس المحرقة فوق وشاح زاهي الألوان وتنورة فضفاضة تغطي سائر جسدها النحيل . أمسكت بحقيبتها الكبيرة وجرتها بعناء شديد مع بعض الأغراض التي كانت في صندوق الحافلة،ووضعتها على ناصية الطريق.
"على سلامتك ،أنت المعلمة الجديدة في هذا الدوار، على ما يبدو؟
ردّتْ بابتسامة ذابلة وهي تزيح نظارتها الشمسية :
-نعم، سيدي. ولكنني لا أرى دوارا ولا مدرسة!!!
قهقه السائق عاليا ،وهو يضع يده على فمه، ليخفي ما تبقى من أسنان نخرتها السيجارة والحشيش.
-الدوار، لازال بعيدا. إنتظري سوف يأتي أحدهم بدابة تحمل أمتعتك ويرافقك. الطريق ليست معبدة ، تفصلك عن الدوار بضع كيلومترات يا ابنتي. كوني على استعداد.
نظرت إليه في حيرة واستغراب، ثم شكرته دون أن تفهم قصده وهي تنظر يمينا وشمالا علّها ترمق قادما من السراب المنتشر.
ودعها سائق الحافلة وهو يمسح العرق المتصبب من جبينه قائلا للغريبة:
"أتمنى لك عاما سعيدا، ومقاما طيبا وصدرا رحبا،بنيتي. كان الله في عونك"
وبعد حين، سُمع هدير المحرك وهو يدور في جنون مكسرا الصمت السائد في الأجواء.
تحركت الحافلة في تثاقل، وشيئا فشيئا، غاصت بين المنعرجات،في الطريق الجبلي، مخلفة دخانا كثيفا تصاعد إلى عنان السماء.
* الدوار: القرية
بقلم ذة. لطيفة ناجي.