... قلبا لا حجرا
___________
ما أتعس حظ قصبة الصياد ؛ تلك التي مدت عنقها في اتجاه سطح ماء البحر أو النهر ، مشرئبة في زهو تنتظر ما يعْلَق برمح صنارتها من أسماك ، تهتز كلما تحركت وارتجفت العوَّامة المرتبطة بالخيط ، لتَتَمَلْمل بداخلها رغبة الفوز كلما نهشَتْ سمكةٌ في حذَر طُعمَها الملفوف بلون الغدر والإغراء .... ينحني رأس القصبة ويعلو مرات ومرات ، يزداد الخفقان ويشتد عُودها لتتناغم وما تقتضيه وضعيات النهش ومحاولات الاستيلاء على ما تبقى من طُعم ، حتى إذا فازت المسكينة بتلك اللقمة، وجدتِ الصنارةَ قد فازت بها بِوَخْزة رُمْح لا ينفعها معه تملُّص أو حراك ، فتنتقل بذلك من عوالم الماء والحياة إلى عالم البر والهلاك ، في قبضة أياد لا تعرف الرحمة والحنان .
بل ليست رصاصة القناص أقل تعاسة من صنارة الصياد ، أبوها الجأش مصنوعة من بارود ونار ، وأمها قطعة من حديد لاتعرف الحياء أو الوقار ، عندما تغادر بضغط الزناد بيت النار ، لاهي تعرف من أين أتت ، ولا تقدم للجسم المغدور أي استسماح أو اعتدار ، ولو شِيءَ للطريدة أن تتكلم لأفصحت وقالت بصريح العباره :
أنا صالح وأنا الناقه .... أنا المقتول وأنا الرصاصه...
كنت أكتب هذه الخواطر وإذا بِيَدٍ تمتد نحوي في البيت لتناولني قطعة خبز محشوة بقطع من السمك، اِسْتَلَّتْ منهاخياشيمي رائحته المدمسة قبل أن تنقض عليها أصابع يدي ... لتتململ الرغبة في معدتي ويهتز لسان الشهية اهتزاز قصبة الصنارة بارتجاف الخيط والعوَّام ، وأَنطلقُ مُنقَضٍّا على الوجبة بالعظِّ والسَّحق انطلاق الرصاصة المتعطشة للدماء وسحْقِ الطريدة من غير شفقة ولا رحمة، وأنا أتخيل لو أن القطع كانت لأرنب بري أو من لحم غزال، ثم قلت في نفسي بعد أن أتيت على آخر الوجبة التي لم يبق منها شيء ؛ وكانت الصور مازالت تتطارد في دهني تطارد أسماك الصياد وطرائد القناص :
... بالرغم من أنني لست صنارة القصبة ولا رصاصة الزناد ، إلا أنني اليد الذي تمسكهما معا ، أتحكم في الزمام ولي كامل القدرة على ضبط السلوك والأهواء في مسار التغيير ...فالفرحة التي قد تغمر قلبي وتزيد من خفقانه ، ربما يكون فيها أكثر من سبب لجلب التعاسة على غيره ، إذ ليس من الضروري أن تحترق الشمعة وتبكي لنستنير نحن فنقدم لها الشكر عوض التأسف والتحسر عما أصابها من ألم وأنين ....
فمهلا أيتها الذات بنفوس أعْيَتْها المتاعب والمآسي ، ورفقا بأرواح أتقلَتْ مناكبها الهموم والأحزان
فكم من مرة حاولت طرق النفوس وولوج أبواب الخواطر ومكنون التُّرَع ، فأبَيْت دخول قلوب البشر تجنبا للحيرة وتفاديا لوطء مكامن الجزع ، بل وخوفا من أن أجد في كل فؤاد ولَجْتُهُ يوما ، قصة ألم مريب ومواخز من وجع .....
سواء كنا سمكة سائحة بين طيات كبد الماء ، أو أرنبا هائما بين سهول ووعر الخلاء ؛ فنحن ومايخطر ببالنا من مخلوقات نعيش لحكمة تحت جناح الكَفَلِ ورحمة القدر ...
لذا فقد أصاب حتما وما أخطأ من قال :
صُنْعُ الجميل وفِعل الخير إن أُُثِرا
أبقى وأحمدُ أعمال الفتى أثرََا
إن كان قلبك لم تَعطَفْ به عاطفة
على المساكين فاسْتبْدِلْْ به حَجرا
محمد بوعزة (خبير الأدب)
تاوريرت في : 14/11/2022