قصة البائسة
بقلم الشاعرة نادية التومي
طال انتظارها جدا، مع تقدمها بالعمر ولم يطرق بابها أحد، هي مثل أي فتاة انتظرت فارس أحلامها لتعيش لحظة الفرح.
أمل الفتاة الريفية التي لم تكمل تعليمها تستيقظ باكرا لتساعد أمها قبل ذهابها للعمل لتعود مساء، وقد أنهكها التعب بعد يوم مضني
تؤدي فريضة الصلاة وتتفرغ لمساعدة أمها بأعمال المنزل وتحضير العشاء.
مرت الأيام من عمرها دون أن تدري حتى بلغت الأربعين وهي على نفس المنوال من البيت إلى العمل، حيث عرفت بين أقرانها بأخلاقها الحميدة وأصلها الطيب وعفة نفسها مما شجع صديق أحد الزملاء بالعمل التقرب منها وإقتراح الإرتباط بها وهي تعلم أنه مطلق ولديه إبن وحيد بحضانة أمه، ترددت في قبول الفكرة بداية لأنها تعلم ردة فعل أهلها حسب تقاليد العائلة ولكنها تشجعت واخبرت زوجة أخيها المتعلمة والمثقفة بالموضوع.
أعجبت زوجة الأخ بالفكرة وطلبت منها تحديد موعد للقاء للتعرف عليه ومعرفة مدى جديته وفعلا تم ذلك واعجبت زوجة الأخ بصدقه وقررت مساعدته لتحقيق هدفه النبيل، فاخبرت زوجها عن العريس وشجعته للتعرف عليه وكان ذلك.
والأخ بدوره أخبر العائلة عن العريس فهاج الأب ورفض الفكرة جملة وتفصيلا ولكن بعد إقناع الأخ بالمنطق بأن أخته أصبحت عانس ولن يتقدم لها إلا المطلق أو الأرمل، وأن زواج لأي فتاة هو ستر لها بعد وفاة الوالدين بعد عمر طويل، اقتنع الأب اخيرا وحدد موعد الخطبة والزواج.
أصبحت أمل في بيت زوجها التي طالما حلمت بتلك اللحظة وبدأت مرحلة جديدة بحياتها، مع مرور الوقت بدأت تظهر فجوة في علاقتها لإختلاف البيئتين فهي إبنة الريف البسيطة وهو إبن المدينة المتحضر بعقلية غربية، فكان يدقق على كل شيء بتصرفاتها من تحضيرها للطعام وترتيب البيت ومقابلتها للضيوف ودائما يحسسها بعقدة نقصها وتفوقه الطبقي.
إزداد الوضع سوء لمعارضته فكرة الإنجاب لأن عنده إبن من زوجته الأولى ولن يعيد الكرة، وأمل كانت خائفة من تقدمها بالعمر دون أن تسمع كلمة ماما ولكنها استطاعت بإحدى الليالي الجميلة أن تصل لمرادها، ولكن وبعد شهرين ولسوء حظها أغلق المصنع الذي تعمل به وصرف لكل عامل تأمينه المعاشي الذي استفاد منه العمال بفتح مشاريع صغيرة ترد عليهم بعض المال، إلا امل الحزينة المكسورة التي أخذت تأمينها وتوجهت للمشفى لإجهاض الجنين الذي بأحشائها تحت ضغط زوجها المتعجرف.
علم أهلها بالموضوع وقاموا بتوبيخه لجريمته بقتل نفس دون حق وحرمان ابنتهم لولدها، وكانت حجته بأنه ليس لديه المال لتربيته وهو يقطن بالإيجار وأنه تقدم بالعمر ولا يقدر على تربية الأولاد.
ساعدت العائلة امل ببناء منزل صغير لها وأمن لها اخوها عمل قريب من بيتها وهي لا تبرح تفكر بإنجاب طفل رغم تقدمها بالعمر وضعف الإخصاب عند زوجها بسبب مرضه ولكن قدرة الله فعلت المستحيل وتحقق مرادها، ورغم جنون زوجها وتهديدها لكنها كانت هذه المرة أقوى ورفضت الإجهاض مهما كلف الأمر ووقوف عائلتها معها ساعدها بقرارها حيث أمنوا لها مصروف الطبيب والمشفى والبيت.
مرت الأشهر سريعا وأنجبت أمل طفلة رائعة الجمال والأب غير مهتم بذلك ولا بصحة زوجته.
تمر السنون وتكبر الطفلة تحت سطوة الأب الذي حاول سلخها عن أمها وعائلتها وزرع برأس الطفلة أفكار بالية عن عائلته الأرستقراطية وان أمها ليست بمستوى العائلة.
كبر الزوج المتكبر في العمر واصابه السقم وأصبح طريح الفراش نصف مشلول وبقيت امل بجانبه كالممرضة تحرم نفسها حتى من دواء الضغط لتوفر له دوائه وتسهر على صحته وهو لا يعرف قول كلمة الحمد لله.
إزداد الوضع سوء لاصابته بجلطة دماغية أثرت عليه وعلى نطقه وحركته ولكنه بقي الكافر العنيد الغير واثق بأحد حتى زوجته لأنه رفض إعطائها وكالة بقبض راتبه التقاعدي حيث كان يذهب برفقة أحد أقاربه ليقبضه إلى أن نبهه الطبيب بخطورة خروجه من البيت كي لايزداد وضعه سوء واضطر لتصريح وكالة لزوجته الذي اتهمها بشرفها وعرضها وأنها على علاقة بقريبه.
كبرت الطفلة وأصبحت تميز بين الأشياء واحست بظلم والدها لها فأين أهله الذي يفتخر بهم ولم يكونوا يوما بجانبه واحست بأنها تنتمي لعائلة أمها المحبة والمكافحة وارتمت باحضانهم بفرحها وحزنها على الدوام، ووالدها يوبخها لابتعادها عن أفكاره السوداء.
لم يبق للزوج أحد الجميع تخلى عنه، أخوه المهاجر قطعه تماما وابنه الذي كان يمر كل سنه لم يعد يمر حتى أنه لم يعد يتصل به وحتى قريبه الوحيد والذي كان يأخذه كل فتره في نزهة بالسيارة لم يعد يزوره، لم يتبقى أحد إلا أمل المخلصة والتي لم تبتعد عنه وظلت بقربه وهي بنت الأصل والتي رضيت ما حكم الله لها.
الحياة تستمر بحلوها ومرها ولا تعرف أين سيحل الترحال بها
هل تموت قبل زوجها ام يموت ويريح الناس منه ومن شكوكه وتذمره المستمر.
هي مشيئة الخالق وهي سر من الأسرار الكون والوجود وهي خيط يربط بين الحياة والموت اننا لا نعرف ما يخفيه لنا يوم الغد نتمنى أنه يكون الأفضل.
بقلم نادية التومي