حنين الدم
كان المساء يهبط على مخيم الوحدات ببطء، والبرد يتسلل من شقوق النوافذ الخشبية. جلس سليم عند باب البيت المتواضع،
يتأمل الطريق الترابي الممتدّ أمامه.
لم يكد يسمع وقع الخطوات حتى خفق قلبه بلا وعي.
نهض مسرعًا،
وإذا بسميرة، أخته التي لم يرها منذ شهور، تدخل تحمل بيدها كيسًا صغيرًا من الخبز.
لم يكن ما حملته مهمًا،
بل حضورها.
حين رأته،
أشرقت عيناها بدمعة مختلطة بالابتسامة، وقالت بلهفة طفلة:
أخي… هذا أنت!
لم أتوقع أن أراك اليوم.
اقترب منها مترددًا، يشعر بالذنب لأنه تركها تغرق في وحدتها كل تلك الأيام.
لكنه فوجئ بأنها،
بدل أن تعاتبه،
راحت تدافع عن غيابه:
أكيد عملك شاق…
أعرف أنك متعب دائمًا.
كان صوتها يختلط برعشةٍ حنونة، وكأنها تسامحه قبل أن يعتذر.
جلست على الأرض أمامه،
وضعت الخبز،
ثم أسرعت لتحضر له كوب شاي ساخن. كانت تحاول أن تخبئ ارتجاف يديها، لكنه رآه بوضوح.
جلس يشرب بصمت،
يراقب ابتسامتها وهي تحدّثه عن تفاصيل يومها الصغيرة،
وعن أولاد الجيران الذين أحبوا لعبة جديدة.
لم يكن الكلام مهمًا،
بل تلك النظرة في عينيها،
النظرة التي تقول:
عد…
لا تتركني طويلًا…
إنني أعيش على زيارتك.
حين همّ بالمغادرة،
تبعته حتى الباب،
ثم إلى الزقاق،
وظلّت واقفةً حتى ابتعد،
تلوّح بيدها كمن يودّع قطعة من قلبه.
وكان يسمع في داخله صدى همسها الموجع:
أخي…
لا تغب…
فحنين الدم أقوى من الغياب.
خرج سليم مثقلاً،
يجرّ شعورًا مريرًا بالذنب،
مدركًا أن بينه وبينها رابطًا لا يقطعه البعد، رابطًا مكتوبًا في الدم،
في الذاكرة،
وفي الحنين الذي لا يخمد مهما طال الغياب...
سالم غنيم
حكواتي الوجدان الشعبي
رواية ..حنين الدم