. * حَبِيبَة الإنسَان *
أَنتَظِرُكِ،
مِثلَما تَنتَظِرُ البِذَارُ رَشَحَاتِ الْمَاءِ،
مِثلَما يَنتَظِرُ الْعَاشِقُ إِشْرَاقَ وَجْهِ الْقَمَرِ حِينَ الٱكْتِمَال،
مِثلَما يَنتَظِرُ الْحَكِيمُ تمَامَ الوزنةِ في المِكْيَالِ،
مِثلمَا يَنتظِرُ الهَائِمُ وَمْضَةَ الهُدَىٰ عَلَى أُفُقِ الضَّيَاعِ،
مِثْلَما يَنتَظِرُ الشِّرَاعُ هُبُوبَ الرِّيحِ لِيَمخُرَ العُبَابَ،
مِثلمَا يَنتَظِرُ القلبُ الوَجِيبُ عَلَىٰ ضِفَّةِ الٱرتِقَابِ الأمَانَ،
مِثلمَا يَنتظِرُ الشَّاعِرُ صَدَىٰ نَبضِ رُوحِهِ فِي جَسَدِ الطَّبِيعَةِ وَنُهَىٰ الْكَونِ،
مِثلمَا تَنتَظِرُ السَّنَابِلُ قُبلَةَ الشَّمْسِ لزَاهِرِ الحَصَادِ،
مِثلَمَا تَنتَظِرُ النُّجُومُ أفق المسَاءِ لِتَتوَهُّجَ بِالضِّيَاءِ،
مِثلمَا يَنتَظِرُ المُحِبُّ نُورَ وَجْهِ مَحبُوبَتِهِ لِيَسْكُنَ فِيهِ الوَجْدُ،
إيهٍ بِوُسْعِ طَاقَةِ الصَّبْرِ أَنتَظِرُكِ،
فِي وُجُوهِ الأنَامِ العَابِرَةِ عَلىٰ شَاطِئِ الحَيَاةِ نَحوَ كَثِيفِ الضَّبَابِ،
فِي أَسْطُرِ الشُّعرَاءِ التي كُتِبت بِأمهَاجِ المَحبَةِ مِنْ مِدَادِ الصِّدقِ،
فِي شُرُودِ الْأفَلَاكِ نَحوِ غَيَابَةِ مَجْهُولِ المَسَافَاتِ،
فِي صَمتِ مُوسِيقَىٰ الأَسْحَارِ،
في هَدَأةِ سَكِينَةِ اللَّيلِ،
فِي رَاجِفَةِ صَخبَاءِ الْنَّهَارِ،
في عُيُونِ الْأَطفَالِ الَّتِي ترنُو لِلصَّبَاحِ،
فِي مَلَامِحِ الشُّيُوخِ الَّتِي تُغَازِلُ المَسَاءَ،
فِي كُلِّ مَا يُرتَجِي نُهُوضًا مِنْ قَلْبِ الطَّبِيعَةِ لِلنَّمَاءِ،
فِي لَوَاحِظِ الحَبِيبَةِ الَّتِي تَتَأَمَّلُ مَدِيدَ أَسْرَارِ البَحرِ،
أَنْتَظِرُكِ،
فِي مَسَارِبِ الْمَعرِفَةِ النَّاضِجَةِ أثمارًا عَلىٰ عَسَالِيجِ حِكْمَة الٱرتِقاءِ،
فِي أشرِعَةِ الٱرتِحَالِ،
فِي خُطُوطِ تَجاعِيدِ الرَّملَاءِ الضَّارِبَةِ تَلَألُؤًا لِعُرفِ الحَقِيقَةِ بِنَقَاوَةِ الصَّفَاءِ،
فِي صَلَاةِ الْمُتَصَوِّفِ الرَّاشِدِ لِذَاتِهِ عَلَىٰ سِجَّادَةِ الْإِنسَانِ،
فِي هَذَيَانِ الْعَاشِقِ الْمَكْسُورِ الْجَنَاحِ،
فِي أَدمَعِ بُكَاءِ الغُرُوبِ حِينَ يَتَوَشَّحُ سَحَائِبُ الْمَغِيبِ،
فِي سَارِحَةِ الْمُتَفَكِّرِ بِأَحَاجِي الْوُجُودِ،
في أَمانِي مَن أَرَادَ نَجَاةَ الإِنسَانِ مِن خُذْلَانِ الإِنسَانِ،
أَنتَظِرُكِ أيَّتُهَا المَقصُودةُ لِتَّألُّقِ التَّنوِيرِ لِصَافِي الخَلَاصِ،
فِي الصَّوَامِعِ وَالْهَيَاكِلِ وَالْمَعَابِدِ وَالْكَنَائِسِ وَالْمَسَاجِدِ والمَحَافلِ البَلجَاءِ،
عَلَىٰ قَارِعَةِ الطَّرِيقِ،
عَلَىٰ حَافَةِ شَطِّ النَّهرِ،
فِي حُقُولِ الضِّفَافِ وعَلَىٰ قِمَمِ الْجِبَالِ،
فِي خِيَامِ الصَّحرَاءِ وقُرَىٰ السُّهُوبِ ومُدُنِ الحَضَارَاتِ،
فِي مَحَطَّاتِ الْقَاطِرَاتِ،
فِي الْمَوَانِئِ والْمَطَارَاتِ،
أَسْأَلُ الْعَابِرِينَ والْعَائِدِينَ،
أَسْأَلُ طُيُورَ الْفَضَاءِ،
أَموَاجَ الْبِحَارِ،
أَرِيجَ الزُّهُورِ وأَثْمَارَ الْأَشْجَارِ،
أَسْأَلُ الزَّاهِدِينَ والرُّهْبَانَ،
أَسْأَلُ عُرَفَاءَ وأَنبِيَاءَ التَّارِيخِ وأَولِيَاءَ الْمَخِيطِ،
أَسْأَلُ حُكَمَاءَ العُزلَةِ وكُهَّانَ السَّمَاءِ،
أسألُ الضَّمِيرَ أيْنَاكِ مِنْ كَوكَبِ الأرضِ ودَمعَةِ الإِنسَانِ،
أَسْأَلُ الْأَروَاحَ التَّائِهَةَ عَن ضِيَاءَكِ هَلْ مِن مُستَقَرٍّ،
أَسْأَلُ الْوَقْتَ أَفَلَا حَانَ الأَوَانُ للمَجِيءِ،
أَسْأَلُ السَّدِيمَ أَلَمْ تكتَفِي أنتِ فيهِ ٱخْتِفَاءً،
ثُمَّ أَمضِي مُنتَظِرًا حُلُولَ يَومٍ جَدِيدٍ،
أُجَفِّفُ دَمعِي الهَتُونَ،
أُضَمِّدُ جِرَاحِي الخَضْرَاءَ،
أَحبِسُ فِي صَدرِي حُرُورَة التَّنَهُّدَاتِ،
أُحَاوِلُ أَنْ أَجِدَ الْعَزَاءَ فِي شُمُوعِ الْمَسَاءِ،
فِي قَنَادِيلِ السَّمَاءِ،
أحاوِلُ أنْ أقبضَ عَلَىٰ مَتَانةِ القُدرةِ لِكَيْ أَقْوَىٰ عَلَىٰ مَزِيدٍ مِنَ الٱصطِبَارِ،
وهٰذِهِ الْمُرتحلةُ تَغُوصُ أَكْثَرَ فِي أخادِيعِ الظَّلمَاءِ،
تُرَتِّلُ كُفْرَهَا بِالْبَشَرِيِّ فِي كُلِّ دَورَةٍ حَولَ نَفسِهَا والجَونَاءِ،
وهٰذَا الْعَالَمُ يَسِيرُ بِسُرعَةٍ فَائِقَةٍ نَحوَ الْغَرَقِ فِي كُلِّ زَيفٍ وبُهْتَانٍ،
يَركضُ نَحوَ التَّحَطُّمِ فِي الْخَرَابِ والدَّمَارِ،
وأَنَا أَزدَادُ تَعَلُّقًا بِظُهُورِكِ،
أَرجِعُ إليك،
أَرفَعُ شَظَايَا الأَحلَامِ فوقَ بَوَارِقِ الأَملِ،
أَحمِلُهَا عَلَى كَفِّ الٱنتِظَار إِلَى غَدٍ لَعَلَّهُ يَجِيءُ بِكِ،
مُنتَظِرٌ أنتِ يَا حَبِيبَتِي كالصَّائِمِ لِحَيْنَةِ التَّسبِيحَةِ عَلَىٰ مَائِدةِ الإِفطَارِ،
مُنتَظِرُكِ يَا أَيَّتُهَا الْمُخْلِصَةُ النُّورَانِيَّةُ بِكُلِّ نَاسِكَةِ التَّأمُّلِ على مَنسَكِ الدَّورَانِ،
يَا سَيِّدَةَ الْكَونِ،
يَا ٱبتِسَامَةَ النُّورِ فِي عَينِ الأَزَلِ،
يَا نِدَاءَ الْخَلاصِ وَمَعرِفَةَ السَّرِّ الْمَكْتُومِ،
أَلَا هَيَّا هَبِّي عَلَينَا كَمَا النَّسَمَاتُ الْمُبَارَكَةُ بِالجَمَالِ،
أَظْهَرِي يَا سَيِّدَةَ الْوُجُودِ كالبِذَار مِن أثلَامِ الحَرثاءِ،
يَا أَيَّتُهَا الإِنسِيَّةُ الرَّائِعَةُ الْجَمَالِ والْفَائِقَةُ الْحُسَّانِ،
أَعِيدِي تَرتِيبَ أَرضِنَا وحَيَاتِنَا كمَا النَّحلَةُ فِي المَعسَلةِ عَلَىٰ قُرصِ الشَّهدِ،
أَعِيدِي بِنَاءَ الحَضَارَة فِي حُقُولِ السَّلَامِ وفَضَاءِ الحُرِّيَّةِ كما يُعيدُ المَطرُ لِلأرضِ المَاءَ،
ومِمَّا نَحنُ فِيهِ مِنْ كُفْرٍ بِالْإِنسِيَّةِ خَلِّصِينَا كالتَّأئِبِ الصَّادِقِ مِن رِجسِ الأثَامِ،
جَرِّفِي الْكَذِبَ وأغرِسِي فَرَادِيسَ الْإِنسَانِيَّةِ فِي قَلْبِ الْإِنسَانِ،
ٱمنَحِي هٰذِهِ الوُجُوهُ أَسْمَاءَهَا الْمَنسِيَّةَ عَلَىٰ جَرعَاءِ الرِّمَالِ لآفاقِ أنوارِ بَدَائِعِ قِبَابِ السَّمَاوَاتِ،
أَنتَظِرُكِ يَا حَبِيبَتِي كَمَا يَنتظِرُ الوَليدُ ليَغفُو عَلَىٰ وِسَادَةِ أثدَاءِ ٱلإِروَاءِ،
ألآ لَيسَ إِلَّا أنتِ يَا أيَّتُهَا الإِنسِيَّة النُّقطةُ الَّتِي مِنهَا يَبدأُ الجَمَالُ،
الَّتِي مِنهَا يَنبثقُ النَّورُ وإليهَا يَعُودُ،
ليسَ إلّا إلَّاكِ لِلخَلَاصِ الْأَكِيدِ،
لِسِرٍّ ومَا أخفىٰ يَا مَحيَا الإِنسَانِ الحَيِّ لِكَامِلِ الٱكتِمَال.
من ديوان حديقة النور لمؤلفه :
المهندس فتحي فايز الخريشا