دخان ورغبات
أصحو باكرًا،
أرتشف قدح الشاي كأنني أرتشف سرَّ الأبدية،
يعلو بخاره كأرواحٍ غامضة
هربت من ألواح جلجامش،
لتجلس على حافة الصباح.
أحمل حقيبتي المتخمة بذكرياتٍ لا تشيخ،
ذكريات كلوحة دافنشي
لا يبهت ظلُّها مهما ابتلعها الزمن.
أحمل وطني الآخر،
الذي يسكنني كما تسكن الأساطير دم القبائل.
(فالأوطان لا تغادر الناس،
إنما الناس هم من يتركون الأوطان!)
وحيدًا أطارد دخانًا يتسلّل نحو صحراء مملكتي،
كعرافٍ يبحث عن نبوءةٍ ضاعت
في متاهة المرايا.
أحسُّ بيدكِ،
تتغلغل في خاصرتي عميقًا… عميقًا،
كسكين جراحٍ رحيمٍ
يخط على جسدي
نشيدًا سريًّا من نور.
يدكِ تكتب قصيدة ياسمين بلا أبجدية،
قصيدة تعرفها فقط ليلى حين همست للعشاق،
وترويها شهرزاد للملوك
حين ينامون على وسائدٍ مثقلةٍ بالدم.
تتوقف فوق تلال جسدي
كدليلٍ لم يضلّ أثرًا،
ولم يَتُه في صحراء يعرفها
كما يعرف خطوط القمر في ليالي السحرة.
يدكِ تدفعني للبكاء،
فأخرج مترنّحًا إلى الشارع المزدحم،
أبحث عن ظلي بين أصداء المارة.
أغدو كمركب رامبو،
ممزق الأشرعة،
يحلم بمرفأ لا يظهر في الخرائط.
أنتظر "أوفيليا" تولد من جديد،
لا لتغرق هذه المرّة،
بل لتضيء عتمة المياه
وتزرعني في القمر كحكاية لا تُنسى.
هناك،
حيث يلتقي دخان الرغبات
بأقمار بابل البعيدة،
سأصير بين يديك
وشمًا أبديًّا،
وصوتًا يتهامس به العشّاق،
ما بين أسطورةٍ بعيدة
وحكايةٍ معربدة
تُروى في آخر الليل.
حميد العادلي
العراق