الجمعة، 29 أغسطس 2025

Hiamemaloha

حقيبة الأمل للكاتب سالم غنيم

 حقيبة الأمل


في إحدى زوايا دار المسنين،

 جلست الحاجة ليلى تنظر من نافذة صغيرة نحو الشارع البعيد، 

كأنها تبحث عن وجه تعرفه منذ زمن.

 كانت في السبعين من عمرها،

 أنيقة رغم الشيب الذي غطى شعرها، تحتفظ بابتسامة خجولة كلما دخلت عليها إحدى الممرضات.


قبل خمسة عشر عامًا،

 لم تتخيل ليلى أن ينتهي بها المطاف هنا. فقد كانت  معلمة للغة العربية،

 مفعمة بالحيوية،

 يضج بيتها الكبير بالضحكات والكتب والأحلام. تزوجت في عمر العشرين من شاب طموح أحبها بصدق،

 وأنجبت منه ولدين وبنتًا. 

عاشوا حياة بسيطة، 

 السعادة كانت تملأ أركان البيت.


مرت السنوات،

 وكبر الأطفال، 

وكبر معها الطموح والمسؤولية.

 رحل الزوج في حادث سير مفاجئ، 

تاركًا لها عبء الحياة بأكملها. 

رفضت الزواج مرة أخرى رغم إلحاح أهلها، قائلة جملة لم تنسها يومًا:

لن يدخل هذا البيت رجل غريب عن أولادي.


تحملت كل شيء وحدها.. 

الدروس الخصوصية، 

العمل في المدرسة، 

السهر حتى منتصف الليل لمراجعة دروسهم. كل ذلك حتى تراهم في القمة. 

وقد تحقق حلمها؛

 أصبح ابنها الأكبر طبيبًا في الخارج،

 والثاني مهندسًا مرموقًا،

 وابنتها زوجة لرجل أعمال ثري.


وفي يوم، قالت لها ابنتها بنبرة ناعمة تخفي وراءها قسوة:

ماما… 

البيت أصبح صغيرًا بعد أن كبرنا وكبر أولادنا.

 والأفضل لكِ أن تكوني في مكان تجدين فيه الراحة والرعاية.


لم تفهم ليلى ما كانت تقصده إلا في اليوم الذي جاء فيه ابنها الأصغر وقال بابتسامة مصطنعة:

يلا يا ماما… 

هنطلع نتمشى شوية.


تأملت وجهه بعينين دامعتين، وقالت بخجل طفولي:

أخد معايا شنطة صغيرة؟

قال:

خدي كل اللي يفرحك،

يمكن نقعد يومين.


وضعت أجمل ملابسها، ومصحفها، وألبوم صور قديم لا يفارقها. ظنت أنها ستذهب معه في رحلة كما اعتادوا في طفولتهم. لكنها فوجئت بعد ساعة بلوحة كبيرة كتب عليها:

دار الهناء لرعاية المسنين.


شعرت بأن قلبها سقط من بين ضلوعها. التفتت إليه بعينين توسلت الرحمة، لكن صوته كان جامدًا:

هذا  لمصلحتك يا ماما…

 هنا هتلاقي حد يهتم بيك أكتر مننا.


ومنذ ذلك اليوم، لم تر أبناءها إلا في المناسبات، حتى المناسبات لم يأتوا كثيرًا. وعندما مرضت مرضها الأخير، اتصلت الدار بهم لتخبرهم أن أمهم تحتضر، 

وأنها تتمنى رؤيتهم قبل أن ترحل.

لكنهم لم يأتوا… 

إلا بعد يومين،

 ليوقعوا أوراق الميراث.


رحلت ليلى وفي يدها ألبوم صور قديم، فتحته الممرضة بعد وفاتها، فوجدت فيه جملة بخط يدها:

كنت أظن أن الحب يورث…

 لكن يبدو أن النسيان أسرع.

سالم حسن غنيم 

حكواتي الوجدان الشعبي 

من مجموعتي القصصيه 

30حكايه وحكايه

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :