حلاقة مستحيلة
بقلم سيد حميد عطاالله الجزائري
المقص يتدلّى في يد الحلاق كمنجل يبحث عن حصادٍ ضائع، يتأمل الأرض القاحلة فلا يجد إلا شعرة يتيمة تتمايل بخجل، وكأنها تسخر من مهنة كاملة عجزت عن إيجاد وظيفة لها.
الماكنة تزمجر، تهدد، ترعد، تستعرض أنيابها الحديدية على فراغٍ ناعم أملس، ثم تهبط كالأسد على صيدٍ لا وجود له، لتظفر بشعرة ثانية، فتظن نفسها بطلة معركة، بينما الجبهة خالية كصحراء بلا نخلة.
المشط يطل برأسه، بأسنان متراصة كفرقة موسيقية تستعد لعزف مقطوعة، لكنه لا يجد إلا وترًا ثالثًا وحيدًا، فيمرّ عليه بخجل، فيصدر صوتًا أقرب إلى تنهيدة العدم.
السشوار ينفث أنفاسه الساخنة كبركان يبحث عن جليد ليذوبه، لكنه لا يجد سوى فراغ يردّ أنفاسه عليه، فيبدو كعجوز يثرثر وحده في قاعة فارغة.
أما الزيوت والكريمات فتصطف في عبواتها البراقة، تنتظر بشغف أن تلامس شعراً مترفًا، لكن يد الحلاق ترتجف وهي تضع نقطة على رأس أملس، فتلمع الصحراء لمعانًا ساخرًا يشبه وميض السراب.
أما الوزرة التي تلتف على عنقه تنظر إلى نفسها لم تشعر بشيء لا حكة لا وخزة من شعرة تشبه الشوكة
ابتسمت تحت رقبته بصمت وكأنها تقول : مهمة المقص صعبة والماكنة اصعب أما السشوار فسينفخ في العدم يبعث بهوائه الساخن إلى الصحراء اللاهبة
وسط هذه الكوميديا، يجلس الرجل الأصلع بكبرياءٍ غريب، يطلب من الحلاق حلاقة "آخر موضة".
وكأن الموضة نفسها ستُستحدث من أجله: خطٌ منحني من الشعرة الأولى إلى الثانية، ثم تسريحة معقدة للشعرة الثالثة، وبعدها نفخة من السشوار لتُعطي "الحجم" الموعود، ثم لمسة زيتٍ فاخرة تجعل الجمجمة كمرآة لامعة ينعكس عليها ضوء المصابيح.
ينظر الزبون إلى المرآة نظرة الصقر
إلى فريسته
لكن المرآة خجولة استحت وغمزت
إلى الوزرة بصمتهما المعهود.
الحلاق يعرق، يحك رأسه، يتساءل بجدية: من أين يبدأ؟ من الأمام حيث لا شيء، أم من الخلف حيث الفراغ المطلق، أم من الجانب حيث الشعر أشبه بمهجرٍ بلا سكان؟
وفي النهاية، ينتهي المشهد على ضحكة صامتة: رجل بلا شعر، وحلاق بلا عمل، وطقوس تجميل بكامل عدتها تستعرض عبثها أمام فراغٍ عظيم.
أما الرجل الأصلع، فهو مثال على النفس البشرية أمام الحقيقة: طلب حلاقة "آخر موضة" رغم الفراغ، رغبة مستمرة في بناء صورة، في صنع هوية، في تحدٍ للعدم. والموضة هنا ليست سوى صدى زائف، صرخة صغيرة في وجه الكون الذي يضحك بصمت.
الحلاق يصبح فلسفيًا بلا قصد: كل أداة بين يديه تمثل وسيلة للتعامل مع الفراغ، مع العدم، مع الرغبة في التجميل كدفاع عن الوجود. ومع كل حركة، يثبت أن الحياة ليست في الشعر، ولا في التزين، بل في إدراك الفراغ، وفي مواجهة الانعكاس البارد للمرآة التي تعكس حقيقة الوجود: مساحة بلا حدود، صمت بلا نهاية، والإنسان يسعى بلا توقف لإعطاء الفراغ معنى.
وفي النهاية، يضحك الصمت والفراغ معًا، بينما الحلاقة مستمرة، ليس لإزالة الشعر، بل لإعادة ترتيب الوجود في شكل يمكن تقبله، ولو على هيئة تسريحةٍ فلسفية بلا شعر.