مسرحية: لقاء النورين
المشهد: حديقة غناء في جنّة وارفة، يكسوها السكون والهدوء، وتتناثر فيها النجوم كاللآلئ على بساط من المخمل الأسود. تجلس "الباكورة" على مقعد من نور، وتحدق نحو الأفق حيث يظهر "الغروب" متكئًا على سحابة قرمزية، وشعاع من نور القمر الأخير يضيء محيّاه.
الباكورة (بنبرة تفيض شوقًا وفتنة):
أيها الساري في عروق الليل، أتأذن لي أن أرتوي من معين حكمتك؟
لقد جئتك كما تعودت، أتلمس النور في عينيك رغم ديجورك، وأستروح العطر الأخير في نسماتك.
الغروب (بصوته الهادر الهادئ، كخرير النهر العظيم):
أهلاً بزهرتنا المتألقة، بكارة النور وربيع القلوب. كيف لا ؟وأنت ضيفٌ يزيّن الليالي بحضوره تفضلي بقربى، فلقاؤنا نعمة أعتز بها.
الباكورة:
تحدثنا بالأمس عن البدايات والنهايات، وأصر كل منا أن جمال الكون يكمن في ما يؤمن به.
ألا ترى معي أن النهايات هي التاج الذي تتوج به مسيرة الوجود؟
هي الخاتمة التي تمنح المعنى للقصة كلها.
الغروب:
بل البدايات هي اللوحة البيضاء التي يرسم عليها الخالق أجمل الألوان.
ولكن دعينا نستشهد بالحكمة.
انظري إلى بداية الوجود، إلى أبي البشر آدم عليه السلام، أنزله الله في جنته، فكانت الجنة بدايةً له، فيها تنفس هواء القدسية، وتعلم أسماء الأشياء كلها.
الباكورة (ببراءة ثاقبة):
وكما كانت الجنة بدايته، ستكون -بمشيئة الرحمن- نهايته ومستقره.
ألا ترى في هذه العودة نهايةً تشرح الصدر، وتعيد الأمور إلى نصابها؟
إنها الختام الذي يليق بالحكاية! ألم يبعث الله خاتم الرسل والأنبياء محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكانت رسالته هي النهاية المشرقة للوحي، والكلمة الأخيرة التي اكتمل بها الدين، فما أروع الختام!
الغروب:
أحسنتِ، ولكن انظري إلى بدايات الحياة نفسها. الطفل مثلا، أليست براءته صفحة نقيه وابتسامته صفاءً
لم تعكره شوائب الدنيا؟
إنه الجمال الخالص، والأمل المشرق.
الباكورة:
صحيح هو جميل، ولكن أليس الشيخ الذي صقلته السنون، وأعطته الحكمة من كل تجربة، أليس أقرب إلى الكمال؟
لسانه يقطر حكمة، وعيناه تخبئان بحرًا من العبر، إنه النهاية التي تستحق الاحترام.
الغروب (مبتسمًا):
ألا ترين في ابتسامة الطفل الصافية نبعًا للبهجة لا ينضب؟
الباكورة:
ألا ترى في لسان الشيخ دررًا من الحكمة تروي العقول العطشى؟
الغروب (بنظرة حانية متأملة في جمالها):
وأنتِ يا باكورتنا الجميلة.
ألا تنظرين إلى نفسك؟
إلى هذا الجمال الذي يشرق فيك؟
إنك البكارة، أول الثمر وأعذبه. ولكن هل تعلمين أن الله اصطفاك لتكوني أنت -بعد مشيئته- من يتلألأ نورًا في جناته؟
هذه هي البداية المباركة التي تؤول إلى نهاية مجيدة.
(يسود صمت قصير، مليء بالتأمل والروعة، وكأن الكون نفسه يصغي لهذا الحوار)
الظهيرة (صوتٌ نديّ قادم من بعيد): يا غروب ياباكورة ألا تناما لقد تأخر الوقت وأنا أرغب فى النوم .
الغروب (ينهض متأنقًا، وقد بدأ نوره يذوب في عتمة الليل تدريجيًا):
الحوار لم ينتهِ يا زهرتي، فالحياة سلسلة من اللقاءات والوداعات. أراكِ غدًا، وسأبقى أؤمن بأن بسمة الفجر هي أجمل ما في الوجود.
الباكورة (وهي تودعه بنظرة حب وحكمة):
أراكَ غدًا، وسأبقى أنتظر اللحظة التي تودع فيها العالم بجمالك، لترسخ في قلبي يقيني أن النهايات هي الأروع.
(يختفي الغروب شيئًا فشيئًا، تاركًا خلفه أثرًا من الذهب والبنفسج على حافة الأفق.
تبقى الباكورة جالسة، تتناثر أنوارها في الظلام، مبتسمةً بحكمة جديدة فهمتها:
أن البداية والنهاية حلقتان في سلسلة واحدة، لا تكتمل إحداهما إلا بالأخرى، وأن الجمال الحقيقي يكمن في هذه الدائرة الأبدية التي لا تنتهي.)
(يسدل الستار)
محمدعبدالخالق