حين تصبح الحياة أثقل من الموت
لم يكن يخاف الموت…
كان يخاف ما يسبقه.
الموت، في خياله، نهاية واضحة؛
صمتٌ لا يطالب بتفسير،
ولا يفتح أبواب الأسئلة.
أما الحياة،
فكانت عبئاً مفتوحاً،
توقظه كل صباح لتطالبه بالاختيار،
وتتركه كل مساء وحيداً
مع محكمة التبرير.
كان يستيقظ وهو يشعر
أن صدره محمّل بشيء بلا اسم،
كأن أيامه تبدأ دائماً
متأخرة خطوة
عن قلبه.
لم يكن تعيساً بالمعنى المألوف،
ولا مكسوراً،
ولا مهزوماً أمام العالم.
وهذا تحديداً
ما جعل الأمر أشدّ إنهاكاً.
كان يعيش كما ينبغي،
لا كما يريد.
يفعل الصواب،
في الوقت المناسب،
بالطريقة التي لا تُغضب أحداً،
ولا تُزعج الصورة.
لكن الحياة، في داخله،
كانت تمرّ فوقه
لا من خلاله.
حين كان يُسأل:
"هل أنت بخير؟"
كان يجيب تلقائياً:
"نعم."
لم يكن يكذب،
لكنه لم يكن صادقاً أيضاً.
كان بخير بالقدر الذي يمنعه
من الانهيار،
ويحرمه في الوقت نفسه
من الحياة.
بدأ يلاحظ أمراً أربكه:
أن الموت لا يخيفه…
بل يريحه.
فكرة أن ينتهي هذا الثقل دفعة واحدة،
دون شرح،
دون اختيار،
دون أن يخيب أحداً،
كانت تمنحه سلاماً بارداً.
وحين فهم،
كانت الحقيقة قاسية وبسيطة:
هو لا يريد أن يموت،
هو فقط لم يعد يحتمل
أن يعيش هكذا.
الحياة كانت تطلب منه
ما لم يتعلّم كيف يمنحه.
تطالبه بالشجاعة
وهو لم يتدرّب عليها،
بالصدق
وهو أتقن الأقنعة،
وبأن يكون نفسه
وهو لم يُتح له يوماً
أن يكتشفها بعيداً عن التوقّعات.
كيف لا تثقل الحياة
حين تُعاش كواجب
لا كاختيار؟
في ليلة هادئة،
جلس مع نفسه،
وسأل السؤال الذي تهرّب منه طويلاً:
متى توقّفتُ عن الرغبة…
وبدأتُ أكتفي بالاحتمال؟
لم يجد جواباً،
وجد صمتاً ثقيلاً
يشبه اعترافاً متأخراً.
أدرك أن الموت
لم يكن عدوه،
بل مرآته.
يعكس له
كم أجّل نفسه،
كم عاش بنصف قلب،
وكم اختار السلامة
حتى تحوّل الأمان
إلى قفص أنيق.
في تلك اللحظة
لم يتخذ قراراً كبيراً،
ولم تنقلب حياته رأساً على عقب.
لكن شيئاً دقيقاً تحرّك في العمق.
قال لنفسه بصدقٍ مُرهق:
الحياة أثقل من الموت…
لأنني لم أتعلم بعد
كيف أعيشها كما أريد.
وكان هذا الاعتراف،
على قسوته،
أول إحساس حقيقي بالخِفّة
اختبره منذ زمن بعيد.
ربما لن تصبح الحياة سهلة،
وربما سيبقى الخوف،
لكن الخوف هذه المرة
لم يعد ذريعة للاختباء.
فحين يعترف الإنسان
بأن الحياة أثقل من الموت،
فهو لا يطلب النهاية…
بل يطلب طريقة
أصدق،
وأخفّ،
ليحيا.
الكاتب : إدريس أبورزق