أنت البداية التي تنتظرها
أكتب هذه الكلمات مستحضرا لسؤال يبدو قديمًا في ظاهره، لكنه في حقيقته لم يجد بعد إجابته الصادقة في أعماقنا:
مَن هو صانع حياتي؟
هل أنا مجرد نتيجة صامتة لما يمرّ بي من أحداث، أم أنني الفاعل الخفي الذي يحمل في يده قلم التغيير، ويملك جرأة كتابة مصيره؟
بهذا السؤال أبدأ رحلتي مع نفسي، لا بحثًا عن حكمة عابرة، بل سعيًا لاكتشاف حقيقة كثيرًا ما نتجاهلها:
وهي أنني من يصنع أيامي، وأن التغيير لا ينتظر موعدًا على التقويم، بل يولد حين أقرر أن أراه ممكنًا.
أدرك اليوم أن اختياراتي هي الخطوط الأولى في لوحة حياتي.
وأن مشاعري ليست عبئًا يثقلني، بل بوصلة تهديني وسط رياح الحب والفقد، واللقاء والاشتياق.
كل قرار أتخذه يترك أثرًا لا يُمحى.
وكل شعور أعيه يمنح المعنى لما كان فراغًا.
الزمن، كما أراه الآن، ليس قوة غامضة تفرض نفسها عليّ.
بل مرآة صادقة تعكس ما في داخلي.
إن كنت قويًا رأيت في الأيام ما يعزّز قوتي.
وإن كنت ضعيفًا رأيت في كل لحظة دليلًا على انكساري.
الزمن لا يخوننا.
نحن من نخذل أنفسنا حين نُسلِم له زمام المعنى.
لا أحد يكتب قصتي سواي،
وهذا الإيمان لم يأتِ دفعة واحدة.
بل تسرّب بهدوء إلى أعماقي حتى صار يقينًا.
ما أجمل أن أصنع بدايتي دون انتظار مناسبة أو رقم جديد في نهاية السنة.
فالبدايات ليست حقائق زمنية، بل حالات وعي.
أستطيع أن أبدأ الآن.
من هذه اللحظة.
من هذا المكان.
لأن التغيير لا يحتاج إذنًا من عام جديد.
بل شجاعة داخلية تعترف بأن التأجيل كان حيلة خوف، لا حكمة.
أدركت أن أكبر الأوهام هو الاعتقاد بأن الأعوام تحمل لنا الخلاص وحدها.
لا شيء يتغير لمجرد أن رقمًا تبدّل.
فالأيام لا تهب السعادة.
ولا السنوات تمحو الألم.
نحن من نلوّنها.
ونحن من نحمّلها المعنى.
أنا الذي أختار أن أراهن على الحياة.
لا لأنها سهلة.
بل لأنها فرصة واحدة لا تتكرر.
وأنا الذي أقرر أن أبدأ.
وأن أتعلم.
وأن أتعثر ثم أنهض.
وأن أصنع مستقبلًا يشبه ما أؤمن به، لا ما فُرض عليّ.
ومع هذا الوعي، يتعمق إيماني بأن الأيام تنتظر صدقي مع الله.
ثم صدقي مع نفسي.
إدراكي أن البقاء لله وحده.
وأن لا أحد يبقى للأبد.
لا يُضعفني.
بل يمنحني وضوحًا نادرًا.
فهو يدفعني لأن أعيش بجدية.
وأن أعطي دون تردد.
لأن الوقت ليس ملكًا لي.
بل أمانة مُنحت لأُحسن استثمارها.
تعلمت أيضًا أن الزمن لا يُبعد الناس عني.
بل اختياراتي تفعل.
أنا من أقرر من يستحق البقاء في قلبي.
ومن يجب أن أودّعه بسلام.
تصفية القلوب ليست قسوة.
بل عدلٌ مع النفس.
لم ينتهِ هذا العام بعد.
ولم يفت الأوان.
كل يوم يصلح لأن يكون بداية.
وكل لحظة قادرة على أن تكون عقدًا جديدًا أبرمه مع ذاتي.
لقد وُضعنا في هذا الزمان لحكمة.
واختارنا الله لنكون شهودًا وصُنّاعًا.
لا مجرد عابري طريق.
وهنا يتجلى الخيار الكبير:
إما أن أكون امتدادًا لمعنى الرسالة.
لقيم النبوة وسيرة الصالحين.
أو أن أذوب في تيه السقوط واللامعنى.
هذا ليس تهديدًا.
بل دعوة صادقة للتفكر في دوري.
وفي الأثر الذي سأتركه لمن يأتي بعدي.
الحياة لا تتوقف.
والله ينظر ماذا نصنع بما أُعطينا.
وأنا، اليوم، أختار أن أكون البداية التي انتظرتها طويلًا.
أختار أن أصنع تاريخًا يليق بنعمة الحياة.
وأن أجعل من كل يوم صفحة جديدة في كتابي الخاص.
كتاب أنسجه بين الإلهام الذي يوقظ قلبي.
والتفكر الذي يحرر عقلي.
فالتغيير يبدأ مني.
ويستمر بي.
ولا يحتاج إلا قرارًا صادقًا بأن أكون أنا البداية.
بقلم:
د. محمد شعوفي