الأربعاء، 3 ديسمبر 2025

Hiamemaloha

ظل أمي للشاعر سالم حسن غنيم

 ظلُّ أمّي

كانت أمي في آخر عمرها تتحرك ببطء شديد، كأنّ خطواتها تخشى أن تزعج الأرض.

ومع الوقت، أصبحت تعتمد على النافذة الخشبية القديمة عند دخولها وخروجها من الغرفة.

لم تكن تستند عليها فقط…

 بل كانت تترك أثرًا خفيفًا من كُحلها الذي لطالما بقي في أصابعها رغم غسل يديها.


ومع مرور الأيام، صار الخشب يحمل ظلال أصابعها كأنها نقوش مطلية بدفءٍ ما.

لكن زوجتي لم ترَ فيها إلا "أوساخًا" تعكر جمال البيت.

وكانت تكرر ببراءة لا تؤذي، لكنها تؤلم:

  البيت عم يِتّوسخ…

 لازم نغيّر هالنافذة.


كنت أتجاهل الأمر…

إلى أن جاء يوم كنتُ متعبًا، فضاقت نفسي، فصرخت على أمي:

  يمّا…

 خلّينا نرتاح من آثار هالكُحل،

 الله يرضى عليك…!


سكتت أمي.

رأيت في عينيها غيمةً صغيرة منكسرة.

ثم ابتسمت وقالت بالكاد تسمعها:

  حاضر يمّه…

 والله ما بكرّرها.


ومثل طفلٍ خائف، صارت تمشي ويدها معلّقة في الهواء، لا تستند، لا تلمس شيئًا.

كانت تُخفي ألم قدميها وارتجافها كي لا “توسّخ الخشب مرة ثانية”.


وبعد أيام قليلة، وقعت.

وقعت بصمتٍ لم يسمعه أحد.

وعندما وجدناها، كانت عيناها تبحثان عن النافذة…

 كأنها تودّعها.

ثم رحلت.


بعد أشهر على رحيلها، قررت زوجتي تغيير النافذة.

أحضرت النجارين، وبدأوا يفكون الخشب قطعة قطعة.


وفجأة، ركضت ابنتي الصغيرة – التي كانت تحب جدتها أكثر من نفسها – ووقفت أمام الخشب كأنها تحمي كنزًا.

صرخت وهي تبكي:

 لا!

 لا تشيلوا آثار ستّي… 

هاي رسوماتها!


حاول النجار تهدئتها، فابتسم بحنان وقال:

  طيب… ما رح نشيلها.

رح نقص هالجزء… 

ونسويه إطار.

نخليه لوحة.


وبالفعل، صنعوا إطارًا خشبيًا يضمّ كلّ آثار أصابع أمي.

علّقناه فوق المدفأة، وصارت كلّ يدٍ تمتد إليه تشعر بشيء يشبه دفء حضنها.


الناس الذين يزوروننا كانوا يقولون:

  يا سلام…

 فن تراثي رائع!

لكن بالنسبة لي؟

كان لوحة اعتذار متأخر…

 ولوحة حب لا يمحوه العمر.


مرت السنوات…

وكبرتُ أنا أيضًا.

صار ظهري يحنو على الأيام، وصرتُ أحتاج أنا الآخر شيئًا أستند إليه.


وذات يوم، وأنا أحاول أن أمشي دون أن أمسك شيئًا، جاء ابني مسرعًا وقال:


 بابا… خذ راحتك.

استند على الخزانة…

 أو استند عليّ.

أنا معك.


لم يعطني فرصة أرد، لأن حفيدتي الصغيرة  أمسكت يدي وقالت بحماس:


  جدو، استند عليّ أنا،


شعرت أن الزمن التفت حولي كوشاح دافئٍ من الحنين.

جلست على الكنبة، وفتحتُ الهاتف.

كانت حفيدتي ترسل لي صورتها:

رسمت إطارًا يشبه إطار النافذة، وفيه يدٌ كبيرة تمسك يدًا صغيرة.


قالت في الرسالة:

  جدو…

 أنت ظلّنا… 

مثل ما كانت ستّي ظلّك.


وفي تلك الليلة بكيت طويلًا…

بكيت أمي التي غابت

وبقي ظلّها


نحن لا نحتفظ بالأشياء لأننا بحاجة إليها…

بل لأن من نحبّ ترك عليها ظلّ قلبه.

فلنرفق بكبارنا قبل أن يتحول الرفق إلى لوحةٍ معلّقة على الجدار.

سالم حسن غنيم


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :