السبت، 3 يناير 2026

Hiamemaloha

ق.ق الثلج الأسود للكاتب سالم حسن غنيم

 الثلج الاسود

في مخيم البقعه..-مخيم _يقع في ضواحي العاصمه الاردنيه_ عمان للاجئين الفلسطينيين-غطت الثلوج شوارع المخيم وازقته..اختلطت الطين بالثلج الابيض..اضفت الثلوج جمالاً على الطين البني اللون. .سارت سلمى كعادتها الى مدرسه وكاله الغوث للاجئين الفلسطينيين بمريولها الأخضر الذي خاطت له زرا كان قد وقع بالامس ..مع ان المريول قد قاوم عوامل التمزق ..الا من بعض الرقع من نفس لون القماش. .اخيرا وصلت باب المدرسه الاسود الكبير ..بعد تعب ومعاناه وارهاق شديد بدى كل ذلك على وجهها..حاولت ازالت اثار الطين البني الممتزج بالثلج عن حذائها المهترئ ..اقدامها ابتلت حين دخلت المياه حذاؤها. .ظلت تحاول ازاله الطين بمساعده اطراف باب المدرسه الأسود. .اخيرا نجحت في ازالت جزء كبير من الطين مسحت بعضا من قطرات من العرق عن جبينها بطرف احد اكمام مريولها ..دخلت باب المدرسه. .ساحة المدرسه فارغة. .لاتوجد اي طالبه في الساحه..لايوجد سوى اثار أقدام لعب الطالبات بالثلج ..سمعت اصوات الطالبات من النوافذ الزجاجه اللتي تطل على الشارع العام. .تقدمت بضع خطوات نحو باب المدرسه الداخلي ..صعدت الدرج بخطوات متثاقله ..لمحت زميلتها في الصف حنان تصعد الدرج مسرعه..بادرتها حنان قائله صباح الخير سلمى لقد تاخرنا عن الحصه..لم تنتظر حنان سماع سلمى ترد عليها التحيه..هذه حنان التي يحضرها والدها بسيارته التي تجذب انظار المعلمات قبل الطالبات. .مصروف حنان اليومي يكفيها شهراً. .طرقت باب الصف بعد ان وصلته..رفعت بعضاً من خصلات شعرها الاسود ..مسحت وجهها بطرف كم مريولها ..فتحت الباب ودخلت ..السلام عليكم ..اتسمحي لي بالدخول..نظرت المعلمه الى حاله سلمى المزريه ..حذاء مهترئ ..مريول ممزق ..حاولت سلمى اخفاء حذائها عن عيون معلمتها..انت دائمة التاخير ياسلمى..هذه اخر مره ساسمح لك فيها بالدخول..دارت الارض بها ..لاتدري ماذا تقول ؟..وضعت راسها بين كتفيها ..لم يعد هناك لها رقبه لتحمل هذا الراس الصغير. .القت بنظرها الى الارض ..تابعت المعلمه قائلةً. .لولا انك طالبه مجتهده والأولى على الصف ما سمحت لك بالدخول. .اصبحتي كثيرة الغياب أيضاً. .ادخلي بسرعه ..سارت سلمى بخطوات سريعه..وصلت الى مقعدها الخشبي ..وضعت الحقيبه التي كانت موجودة على كتفها على الدرج الخشبي..فتحت الحقيبه البلاستيكية التي خاطتها بيديها لتضع كتبها فيها ..خوفا من ابتلال كتبها بمياه الامطار..اخرجت كتاب التربيه الإسلاميه ..وجدته مبتلا بعض الشيء..مسحته بطرف مريولها..هذه الكتب غاليه عليها ..عملت خادمه في احد البيوت لتتمكن من دفع رسومها وشراء الدفاتر اللازمه لدراستها ..شردت سلمى بفكرها إلى المعاناه التي ستواجهها اثناء عودتها الى البيت لم يوقظها من افكارها سوى صوت الجرس معلنا نهايه الحصه. .اقتربت المعلمه من سلمى ..بادرتها قائله..سلمى الحقي بي الى غرفه المعلمات..هبطت سلمى الدرجات وهي تستند على الحائط ..كانها عجوز تجاوزت عفدها السادس. .اخيرا وصلت الى غرفه المعلمات ..العرق يتصبب منها ..بحثت عن معلمه التربيه الاسلاميه التي تكن لها كل احترام ومحبه وتقدير..جلست سلمى على المقعد الخشبي بعد ان طلبت منها معلمتها ذلك. .بعد ان نظرت المعلمه مليا الى سلمى قالت ..سلمى انت طالبه مجتهده ..ذكيه ..لاادري ماهو سبب تاخيرك اليومي.؟.وغيابك المتكرر..ارجوك تحدثي ..سلمى بعد تردد ..نظرت الى المعلمه مليا. ...ثم قالت..انا يامس ..اعتبرك قدوتي بهذه المدرسه ..ارجو ان يبقى كلامنا هذا سر بينا ..حسنا يا سلمى ..سيبقى سرا بيننا..هذا وعد مني...هذا ماقالته المعلمه..ا


قالت سلمى بعد ان اخذت نفسا عميقا. .بعد وفاه والدتي رحمه الله تعالى انقلبت حياتنا الى ماساه مستمره. .انقطع والدي عن عمله حزنا على وفاة والدتي..لانه كان يحبها بشده وهي ابنه عمه و شريكه حياته. .انطوى على نفسه. .قاطع الدنيا. .ابتعد عن كل الناس. .لم يتجاوز عمري انذاك انثى عشر عاما. ..استولى عمي على بيتنا الذي كنا نسكنه. .حجته انه كبير علينا. .استاجر لنا بيت على اطراف المخيم. .واعطانا بضع دنانير على ان نعيش فيهم كفرق للايجار..لم يعترض ابي عليه. .لانه كان يتمنى الموت ليلحق ب والدتي رحمه الله تعالى. .بدا ابي يشرب. .يشرب باستمرار..لا يعود إلى البيت إلا بعض منتصف الليل. .ساءت معامله والدي لي كثيراً. .بدا يضربني يوميا. .يشتمني بالفاظ نابيه. .يتهمني انني وضعت السم لوالدتي.تابعت سلمى قولها بعد ان امتلات عينيها بالدموع. .صدقيني يامس انا ماالي دخل بموت امي. .ماتت قضاء وقدر هكذا قال الدكتور. .-ازداد بكاؤها - يقوم بعد عودته بربطي بشجره التوت التي تتوسط منزلنا. ويبدا بضربي. .يضربني بقدمه.. يركلني على بطني. .يخلع الحزام الذي يرتديه ويضربني به. .احس بجسدي يتمزق من شده ضربه. .تحملت.. لم اصرخ طالبه النجده من الجيران لان والدي. .يغادر البيت صباحا ويتركني أتلوى من شدة الألم. .واحيانا يتركني مربوطه. .ويغلق الباب بالمفتاح الذي لا يفارق جيبه. .قمت باخذ المفتاح من جيبه اثناء نومه. وعملت نسخة من المفتاح ..واعدته بعد ذلك ل جيبه. .أصبحت اخرج من البيت بعد خروج والدي بقليل. .اذهب إلى المدرسه. .وأعود قبل عودته ..والدي لايريدني ان اتعلم . .اكثر من مره قام بتمزيق كتبي المدرسيه. .ومع ذلك كنت اصلي وادعوا الله ان يهدي والدي وان يطيل في عمره. .امتنع عمي عن إرسال النقود التي كان يرسلها لنا شهريا. .لم يعد والدي يجد نقود لشراء المشروب. .ذهب والدي لمقابلة عمي. .رفض عمي اعطاؤه اي نقود. .قام والدي بضرب عمي. .اشتكى عمي على والدي مدعيا ان والدي قام بضربه بالسكين. .وانه حاول قتله. .القت الشرطه القبض على والدي. .حكم عليه بالسجن خمس سنوات. .خفت ان اعيش لوحدي. .ذهبت الى بيت عمي ابوحسن وهو عمي الاصغر. .مكثت عندهم يومين فقط. قامت زوجه عمي بطردي بحجه ان اولادها شباب وتخاف عليهم مني. .عدت لبيتي مرغمة. .فكرت بالانتحار اكثر من مره ..خفت من الله ان يدخلني النار. .هذه هي حياتي كما ترين. .اعمل بعض الظهر في احد البيوت لاتمكن من دفع رسوم المدرسة وشراء الدفاتر..الجميع يلومني على الغياب عن المدرسه. -ازداد بكاؤها - حاولت المعلمه ان تمنع دمعه سقطت من عينيها. .اخرجت المعلمه منديلا واعطته لسلمى قائله امسحي دموعك. .توكلي على الله. إن الله يضعك في امتحان. .ليرى مدى صبرك وقوة ايمانك. .بعد ان تنهدت قالت سلمى..مس أرجوك لا تبلغي احدا بقصتي هذه. .اجابت المعلمه حسنا. .اذهبي الان لبيتك وارتاحي..اي شئ تحتاجينه تعالي الي..


غادرت سلمى المدرسه ..ازداد هطول الثلج اتناء عودتها الى البيت ..ابتلت ثيابها. .اخيرا وصلت باب بيتها. ..دخلت وأغلقت الباب خلفها ..جلست سلمى تراقب هطول الثلج من نافذة بيتها. .رغم أن ثيابها مغطاة بالماء والثلج..تمنت من قلبها ان يذوب الثلج. .وتصبح مياهه طوفان..يدمر العالم. .يأتي عليها اول واحده لياخذها معه. .قالت محدثتا نفسها بصوت عالي..الثلج الأبيض يشبه فارس احلامي. .فارس يركب حصانا ابيض. .ينزل من فوق الغيوم البيضاء. .ياتي وياخذني معه. .احكمت اغلاق النافذه بعد أن شعرت بالبرد يدخل في كل مكان من جسدها النحيل. .القت ب جسدها على فرشه اسفنجيه باليه. .لفت جسدها ببطانيه قديمه. .كانت وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين توزعهم في المخيم ...شعرت ببعض الدفء ..نهضت تبحث عن بقايا الخبز الذي اشرته امس الاول. .اخيرا وجدت بعض الخبز الذي أصبح من شده البرد قطعه واحده. .تناولت الخبز مع الشاي الخالي من السكر..صنعت الشاي على الحطب الذي جمعته قبل هطول الثلج. .لاتملك نقودا لشراءالكاز لتعبئه بابور الكاز الموجود في بيتها..فكرت مرارا في بيعه لكنه ذكرى من والدتها. 


.عادت الى فرشتها..امسكت كتابا لتسلي به نفسها..لم تستطع أن تفهم شيئا من الكتاب. .لمحت صوراً لها مع والدتها. .تمنت ان تعود تلك الايام. .ان تعود السعاده لحياتها. .ان تفرح ولو لايام معدوده..وضعت رأسها على الوساده لعلها تستطيع النوم. ..لم تستطع النوم بسبب شده البرد. ..ارتجف جسدها ..تملكها الرعب. .صرخت باعلى صوتها حين انكسر زجاج النافذه من شدة ضربات الرياح المتلاحقة على الزجاج. ...لم يسمع صرختها احد. .نجحت في الوقوف على قدميها أخيراً. .جرت ساقيها. .وصلت الى النافذه ..حاولت ان تضع كرسيا على النافذه. .دفعتها قوة الرياح بعيدا. .لم تستطع الوقوف مره اخرى. 

أغلقت سلمى عينيها بهدوء…

لكن الدفء لم يكن موتًا كما ظنّت.

كان طرقٌ خافتٌ على الباب، لا يشبه عواء الريح، بل يشبه تردّد إنسان يخشى أن يكون قد تأخّر.

ثم صوت امرأة:

— سلمى… افتحي يا بنتي.

كانت معلمة التربية الإسلامية.

لم تستطع أن تنام تلك الليلة.

ظلت صورة عيني سلمى، المكسورتين والصامدتين، تطاردها.

أقنعت نفسها أن “السر” لا يعني الصمت حين تصبح الروح على الحافة.

كُسر الباب، لا الزجاج.

دخل الدفء قبل البشر.

بطانية، معطف، يدٌ أمسكت بيد سلمى المرتجفة.

فتحت سلمى عينيها بصعوبة…

لم ترَ فارسًا أبيض،

رأت بشرًا يشبهون الحياة.

في الصباح، كان الثلج ما يزال أبيض،

لكن الطين لم يعد أسود كما الأمس.

قالت المعلمة وهي تضمّها:

— بعض الامتحانات يا سلمى لا ننجح فيها بالصبر وحده…

 بل بأن نطلب النجدة.

نُقلت سلمى إلى بيت آمن.

عادت إلى المدرسة بعد أيام،

بمريول قديم… لكنه نظيف،

وحذاء مستعار… لكنه دافئ.

كبرت سلمى.

لم تصبح أميرة،

لم تركب حصانًا أبيض،

لكنها صارت معلمة.

وفي كل شتاء،

حين يتساقط الثلج على مخيم البقعة،

كانت تقول لطالباتها:

— لا تصدقن أن البياض دائمًا رحمة…

 ولا أن السواد نهاية.

بعض الثلج يُنقذ…

 حين يذوب في الوقت المناسب.

سالم حسن غنيم 

1984


Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :