معلّقة من ظلام الجاهلية إلى نور الرسالة
الفصل الثالث: سيف القبيلة والثأر والغزو
مقدمة وجدانية
خرجنا من بين الخيام، وما زالت رائحة النار عالقةً بثيابنا، وما زال صهيل الإبل يرافق خطانا فوق الرمل.
لكن الصحراء التي بدت لنا هادئةً في ضوء القمر كانت تخفي وراء سكونها عاصفةً أخرى.
هناك، حيث كان الماء حياةً، والمرعى رزقاً، والقبيلة حصناً، أصبح السيف أحياناً لغةً حين تعجز الكلمات.
كان الرجل يجد في قبيلته الأمان، فإذا مُسَّ واحدٌ منها عُدَّ الأمر مساساً بالجميع، وإذا سقط رجلٌ منها، ارتفعت أصوات الثأر تطلب دماً بدم، وربما تجاوزت نار الغضب حدود الجاني إلى من لا ذنب له.
ولم يكن الغزو دائماً طلباً للبطش، فقد كان وراء بعضه فقرٌ وحاجةٌ وصراعٌ على الماء والكلأ، لكن الحاجة حين تفقد ميزان الأخلاق قد تتحول إلى عدوان، والقوة حين تنفصل عن العدل تصبح ظلماً.
وكان الثأر سلسلةً لا تعرف نهايتها؛
يسقط رجل، فيطلب أهله رجلاً، فيطلب أهل الآخر رجلاً آخر، حتى يصبح الدم دَيناً متوارثاً لا يعرف أولَه من آخره.
وهكذا كان الإنسان أسيراً لسيفٍ يحمله بيده، لكنه كان يحمل في داخله خوفاً من سيفٍ آخر.
ومع ذلك، لم يكن ذلك المجتمع خالياً من النبل؛ فقد عرف الوفاء، وحماية الجار، ونصرة المستجير، وإكرام الضيف، والوقوف إلى جانب المظلوم حين تكون القبيلة في موضع الحق.
كان الخير والشر يسيران جنباً إلى جنب، وكان الإنسان الجاهلي يحمل في داخله بذوراً تنتظر من يسقيها بنور الهداية.
ومن هنا نبدأ...
من السيف الذي حكم، إلى الحق الذي سيأتي ليحكم.
---
أبيات الفصل
تَسَائَلَ سَيْفُ القَوْمِ: مَنْ يَحْمِي الحِمَى
فَقَالَتْ لَهُ أَيْدِي الرِّجَالِ: لَنَا النَّصْلُ
إِذَا مَسَّ قَوْمًا مِنْ قَبِيلَتِنَا أَذًى
تَحَرَّكَ فِي أَعْمَاقِنَا الغَضَبُ الجَمْلُ
وَإِنْ سَقَطَ القَتِيلُ فِي حَيِّنَا
تَعَالَتْ صُرَاخَاتُ الثَّأَرِ وَالرَّمْلُ
فَيُطْلَبُ دَمٌ بِالدَّمِ، ثُمَّ يَلِيهِمُ
دَمٌ آخَرٌ، حَتَّى يَضِيعَ لَهُ الأَصْلُ
وَيَرْكَبُ فِتْيَانُ القَبَائِلِ خَيْلَهُمْ
وَيَحْمِلُ كُلٌّ فِي يَدَيْهِ لَهُ نَصْلُ
وَتَسْرِي رِيَاحُ الحَرْبِ بَيْنَ خِيَامِهِمْ
فَيَصْحُو عَلَى وَقْعِ الصَّوَارِمِ مَنْ يَغْفُلُ
وَكَمْ مِنْ بَرِيءٍ لَمْ يَكُنْ فِي خَصُومَةٍ
أَصَابَهُ مِنْ نَارِ الثَّأْرِ مَا يَقْتُلُ
وَكَمْ مِنْ صَبِيٍّ قَدْ أَتَاهُ صَبَاحُهُ
يُفَتِّشُ عَنْ أَبٍ، وَالأَبُ قَدْ رَحَلُ
وَكَمْ مِنْ أُمٍّ فِي الخِبَاءِ تَرَقَّبَتْ
خُطَى العَائِدِينَ، فَلَمْ يَعُدْ مَنْ تُؤَمِّلُ
وَكَانَ الغَزْوُ أَحْيَاناً سَبِيلَ ضَرُورَةٍ
إِذَا ضَاقَ عَيْشٌ وَاسْتَبَدَّ بِهِ المَحْلُ
وَلَكِنْ إِذَا مَا صَارَ قَهْرًا وَغَارَةً
تَسَاقَطَ فِي أَرْجَائِهِ الحَقُّ وَالعَدْلُ
وَمَا كَانَ كُلُّ القَوْمِ أَهْلَ ظَلَامَةٍ
فَفِي القَوْمِ مَنْ يَرْعَى الذِّمَامَ وَيَعْدِلُ
وَفِيهِمْ كَرِيمٌ لا يَرُدُّ مُسْتَجِيرَهُ
وَيُكْرِمُ ضَيْفًا إِنْ أَلَمَّ بِهِ المَحْلُ
وَفِيهِمْ شُجَاعٌ لا يَبِيعُ جِوَارَهُ
وَيَحْمِي الضَّعِيفَ إِذَا تَجَبَّرَ مُعْتَدِلُ
وَلَكِنَّ سَيْفَ العُصْبَةِ إِذْ يَسْتَبِدُّ بِهِمْ
يُغَطِّي عَلَى أَعْيُنِ القَوْمِ مَا يَفْعَلُ
فَيَصْبِحُ حَقُّ القَوْمِ فَوْقَ حَقِيقَةٍ
وَيُصْبِحُ صَوْتُ العَدْلِ فِي الحَيِّ يَخْتَلُّ
وَيَسْأَلُ فِي لَيْلِ الصَّحَارِي فَتًى فَتًى:
أَلِهَذَا الطَّرِيقِ مِنْ نِهَايَةِ سُبُلِ؟
فَيَقُولُ شَيْخٌ قَدْ تَعَلَّمَ دَهْرَهُ:
إِذَا غَابَ عَنْ أَهْلِ القُوَّةِ العَقْلُ، يَضِلُّ
وَلَكِنْ خَلْفَ اللَّيْلِ فَجْرًا قَادِمًا
وَخَلْفَ سُكُونِ الرَّمْلِ مَوْعِدُ مُرْسَلِ
سَيَأْتِي نَبِيُّ الرَّحْمَةِ فَيَرُدُّهُمْ
إِلَى حَقِّهِمْ، وَالحَقُّ بِالعَدْلِ يَكْتَمِلُ
وَيَجْعَلُ بَيْنَ النَّاسِ مِيزَانَ عَدْلِهِ
فَلَا قَوِيٌّ يَسْتَعْلِي، وَلَا ضَعِيفٌ يُذَلُّ
وَيَجْعَلُ دَمَ الإِنْسَانِ حُرْمَةَ رَبِّنَا
وَيَطْفِئُ نَارَ الثَّأْرِ حِينَ تَشْتَعِلُ
وَيُخْرِجُ مِنْ قَيْدِ القَبِيلَةِ أُمَّةً
تَرَى فِي أَخِيهَا الإِنْسَانَ مَهْمَا تَنَقَّلُوا
---
خاتمة الفصل
وهكذا رأينا سيف القبيلة وهو يلمع في ضوء الصحراء؛ مرةً يحمي، ومرةً يطلب الثأر، ومرةً يتحول إلى أداةٍ للغزو والعدوان.
ولم يكن ذلك العالم أسودَ كله، كما لم يكن أبيضَ كله.
ففي قلب الجاهلية كانت هناك مكارم تنتظر التهذيب، وأخلاق تنتظر تمامها، وقلوب تبحث عن ميزانٍ لا يميل مع القبيلة ولا يخضع للقوة.
كان العربي يعرف الكرم، لكنه لم يكن دائماً يعرف حدود الغضب.
ويعرف الوفاء، لكنه قد يجعل الوفاء لقبيلته فوق العدل.
ويحمي الجار، لكنه قد يظلم جاراً آخر إذا قامت الخصومة بين القبائل.
وهنا تظهر الحاجة إلى نورٍ أكبر من نور النار المشتعلة أمام الخيمة، وإلى ميزانٍ لا تحمله يد فارس، ولا تحرسه قبيلة.
ميزانٌ يجعل الإنسان إنساناً قبل أن يكون ابن قبيلة.
ويجعل الدم حراماً، والظلم محرماً، والعدل أساساً، والرحمة طريقاً.
لقد اقتربنا من اللحظة التي سيبدأ فيها هذا التحول العظيم...
فبعد أن رأينا الخيمة والصحراء، والشعر والرحيل، والسيف والثأر، سنقترب الآن من عالمٍ آخر:
عالم الأصنام والوثنية، حين امتلأت الكعبة بالأوثان، واضطربت العقيدة، وبحثت الأرواح عن ربها في الحجارة.
ومن هناك...
سيبدأ الطريق نحو نور التوحيد.
التوقيع الشعري
أَنَا ابْنُ حَرْفٍ إِذَا مَا لَامَسَ الأَلَمَ
نَبْضُ الحَنِينِ بِهِ، وَارْتَدَّ مُلْتَهِبَا
الكاتب والشاعر محمد علي باني / تونس