ضحية الظلام
عاد من بلاد الغربة يحمل في قلبه حنيناً لا ينطفئ، وعلى كتفه كاميرا تصوير، وعلى دراجته النارية شوقٌ كبير إلى طرقاتٍ حفظها منذ طفولته. عاد ليطوف في أطراف منطقته وقراها التي شرب من مائها وكبر بين دروبها، ليوثق بعدسته الصور والذكريات التي كانت تزوره في غربته.
كان اسمه يسبق حضوره بالأمان، وكان وجهه يقرأ في وجوه الأقارب طيبة أهل المنطقة وبساطتهم. عاد في زمنٍ كانت فيه البلاد تحاول الخروج من ظلال ثقيلة تركها استعمار طويل، زرع عادات سيئة لم تكن يوماً من أصل هذا الشعب الأصيل.
كنت طفلاً يومها لم أتجاوز الخامسة، لكن طيفه ما يزال عالقاً في ذاكرتي: شاب وسيم، تتدلى الكاميرا من عنقه، يبتسم للأطفال ويأخذهم في جولات قصيرة على دراجته، يزرع الفرح في قلوبهم، ويلتقط لهم صوراً لعلها تؤنس وحدته عندما يعود إلى غربته.
صادف وجوده عرس ابن عمه، ففرح فرحة مضاعفة، ولم يكن يعلم أن تلك الليلة تخبئ له ما لم يخطر على بال.
أقيم العرس، وكان صاخباً بطريقة تعكس الفوضى التي ورثها الناس في أفراحهم؛ خمر تُسكب، وضجيج يعلو، ومظاهر خرجت عن حدود الفرح. اشتد الأمر حتى وصل الخبر إلى الأخ الأكبر للعريس، فجاء غاضباً بعد شكاوى الجيران يريد وضع حد لهذه الفوضى. حاول الاعتداء على أخيه، فخاف العريس وهرب يركض في طريق مظلم.
تفرّق الحاضرون، وانسحب الشاب المغترب في صمت، وهو يشعر بالأسف لما آل إليه العرس. أما العريس، فظل يركض في الظلام وصدره يغلي من الغضب، حتى باغتته سيارة مسرعة وصدمته.
مع بزوغ الفجر، عُثر على العريس جثة هامدة على قارعة الطريق. ساد الذهول أرجاء البلدة، لكن الصدمة سرعان ما تحول إلى غضب ثم اتهام؛ إذ رفض أهله تصديق أنه حادث عرضي، وأصروا على أنها جريمة بفعل فاعل.
وبين همس الناس والإشاعات المتضاربة، استقرت الشكوك على الشاب العائد من الغربة، وقيل إنه صدم العريس بدراجته النارية ثم لاذ بالفرار.
أُوقف الشاب، وبدأت رحلة التحقيق في زمنٍ كانت فيه الإمكانيات محدودة والحقيقة بطيئة الظهور. امتدت القضية خمس سنوات، قضاها خلف القضبان يعيش مرارة الاتهام الباطل.
وفي الجلسة الأخيرة، جاء تقرير الطب الشرعي حاسماً: أثر الصدمة ناتج عن سيارة وليس دراجة نارية. وتتابعت الشهادات لتؤكد براءته، ليخرج أخيراً إلى الحرية بعد أن اقتُطعت من عمره خمس سنوات كاملة.
خرج الشاب، لكن العدسة التي جاء ليوثق بها دفء الوطن كانت قد غُطيت بالغبار، واستقبله الشارع ذاته بصمتٍ أثقل من السجن.
ويبقى التساؤل معلقاً: من الضحية حقاً في هذه المأساة؟ أهو العريس الذي انتهت حياته في ليلة زفافه وانطوت صفحته، أم ذلك البريء الذي نجا من حبل الاتهام، لكنه فقد خمس سنوات من عمره ولم ينجُ من ظلم الناس؟
عَــادَ الـفَـتَى بَـعْـدَ الـنَّـوَى بِـسَلَامْ
يَـحْـمِـلُ شَــوْقـاً طَــاهِـراً وَوِئَــامْ
فِـي قَـلْبِهِ ذِكْـرَى السِّنِينَ وَصَوْتُهَا
يَـدْوِي وَيَـحْيَا فِـي جَوَى الحُطَامْ
يَـمْشِي عَـلَى دَرْبٍ لَـهُ فِـي صِغَرِهِ
لَــهْـواً وَقَـضَّـى عُـمْـرَهُ بِـانْـسِجَامْ
جَــاءَ لِـيَـرْوِيَ مِـنْ حَـنِينٍ مَـاضِياً
وَيَــصِـلَ أَهْـــلاً عَـــامَ بَـعْـدَ عَــامْ
قَـدْ كَـانَ وَجْـهُ النَّاسِ مِرْآةَ الهُدَى
يَــشِــعُّ نُـــوراً طَــيِّـبَ الِابْـتِـسَـامْ
لَــكِـنَّ ظِـــلَّ الـغَـصْبِ بَــاقٍ أَثَــرُهُ
مِــنْ عَـهْـدِ غَـاصِـبٍ قَـسَا وَظَـلَامْ
قَـــدْ زَرَعَ الــعَـادَاتِ فِـيـنَـا سَـيِّـئاً
حَـتَّـى غَــدَا فِــي فَـرْحِـنَا الآثَــامْ
فَـغَـدَا زِفَـافُ الـمَرْءِ صَـخْباً لَاهِـياً
وَغَـــابَ عَـــنْ سَـاحَـاتِـهِ الـنِّـظَـامْ
فِــي لَـيْـلَةٍ ضَـجَّـتْ بِـخَـمْرٍ عَــرِمٍ
وَصَـــارَ فِـيـهَـا الـضِّـيقُ وَالـزِّحَـامْ
وَاشْــتَـدَّ فِـيـهَـا بَـغْـيُهُمْ وَتَـفَـرَّقُوا
وَالـنَّاسُ تَـمْشِي فِـي سَنَا الأَوْهَامْ
فَمَضَى العَرِيسُ مُهَرْوِلاً فِي رُعْبِهِ
نَـحْـوَ الـطَّـرِيقِ الـحَـالِكِ الـمِظْلَامْ
فَــأَصَـابَـهُ الــحَـادِثُ حَــتَّـى زَارَهُ
مَـــــوْتٌ زُؤَامٌ هَـــــدَّ ذَا الــمَــنَـامْ
قَـالُوا بَـرِيءُ المَهْجَرِ الجَانِي الَّذِي
سَــاقَ الــرَّدَى عَـمْـداً بِـغَـيْرِ ذِمَـامْ
لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ الحَقِيقَةِ عِنْدَمَا
تـــاهَ الـفَـتَـى فِــي لُـجَّـةِ الِاتِّـهَـامْ
خَـمْـسٌ مِــنَ الأَعْـوَامِ مَـرَّتْ مُـرَّةً
وَالــمَـرْءُ مَـكْـبُـولٌ يَــشُـقُّ ظَــلَامْ
حَـتَّى بَـدَتْ شَـمْسُ العَدَالَةِ جَهْرَةً
فَـاسْـتَيْقَظَتْ مِـنْ نَـوْمِهَا الأَفْـهَامْ
أَفَـبَـعْـدَ ذَاكَ الـفَـقْدِ نَـبْـكِي غَـائِـباً
أَمْ مَـنْ قَضَى الأَعْوَامَ فِي الآلامْ؟
هَــذِي الـدُّنَـا تَـمْضِي بِـكُلِّ غَـرِيبَةٍ
وَالـعَـدْلُ فِـيـهَا يَـنْـتَهِي بِـانْـقِسَامْ
مَــا بَـيْـنَ حُـكْـمٍ لِـلْـقَضَاءِ نَـعِيشُهُ
أَوْ ظُـلْـمِ خَـلْـقٍ خَــابَ فِـيهِ كَـلَامْ
بقلمي القصاد القاص" صالح حباسي "