أنا رجلٌ حكمتْ عليه الأقدار
قصيدة : بقلم محمد عربي -الجزائر
أنا رجلٌ حكمتْ عليَّ الأقدارُ ** أن لا يلينَ لمحنةٍ مِقدارُ
أن أستظلَّ بظلِّ صبرٍ شامخٍ ** مهما تطاولَ في السماءِ غبارُ
أنا ذلكَ العابرُ الدروبَ وحيدَها ** والليلُ حولَ خُطايَ فيهِ حصارُ
أمشي، وفي عينيَّ ألفُ حكايةٍ ** وعلى الجبينِ من السنينِ شِعارُ
كم أبحرتْ بي في الزمانِ سفينةٌ ** وتكسَّرَتْ فوقَ المدى الأسفارُ
وإذا رستْ في شاطئٍ ظننتُهُ ** أمنًا، أتتْ ريحُ الأسى إعصارُ
ولقد عرفتُ الناسَ حينَ تبدَّلوا ** فإذا الوفاءُ قلادةٌ تُختارُ
ورأيتُ وجوهًا كانتِ البِشرى بها ** فإذا الوجوهُ أقنعةٌ وستارُ
ما كلُّ من صافحتُ يومًا صادقٌ ** فالصدقُ في هذا الزمانِ يُغارُ
كم بعتُ من وقتي لأجلِ مودَّةٍ ** فإذا المودَّةُ سوقُها دينارُ
لكنَّ قلبي ظلَّ يحملُ رحمةً ** لا يستبيحُ نقاءَها الأشرارُ
وأبى لساني أن يخونَ مبادئًا ** ما خانها في شدَّةٍ أحرارُ
أنا لا ألومُ الريحَ إن عصفتْ بنا ** فالريحُ مأمورةٌ، وللأقدارِ دارُ
لكن ألومُ القلبَ حينَ توهَّمَتْ ** أنَّ السرابَ على المدى أنهارُ
كم ليلةٍ سهرتْ عيوني باكيةً ** حتى استراحَ من الدموعِ مَدارُ
أُخفي انكساري خلفَ وجهٍ باسـمٍ ** وكأنني فوقَ الجراحِ منارُ
وأقولُ: يا دنيا تمهَّلي قليلًا ** إنَّ الكرامَ على الخطوبِ كبارُ
لا تكسري قلبًا تعلَّمَ أن يرى ** في كلِّ ضيقٍ حكمةً تُختارُ
إنِّي رضيتُ بما كتبتِ، فإنني ** عبدٌ، وربِّي الواحدُ الغفَّارُ
ما خابَ من جعلَ التوكُّلَ منهجًا ** أو باتَ يطرقُ بابَهُ الأسحارُ
قد ضاقَ صدري بالهمومِ، وربَّما ** ضاقتْ بما حملتْ جبالٌ قارُ
لكنَّ في قلبي يقينًا ثابتًا ** أنَّ اليقينَ على الأسى مِسمارُ
يا ربِّ إن طالَ الطريقُ فإنني ** أمشي، وخيرُ الزادِ الاستغفارُ
واجعلْ ختامَ العمرِ نورَ كرامةٍ ** لا خزيَ فيه، ولا بهِ إزرارُ
أنا رجلٌ جرَّبتُ مرَّ تجاربٍ ** حتى غدا من صمتيَ الإبحارُ
وتعلَّمتُ أنَّ الحياةَ مدارسٌ ** فيها يُمَيَّزُ جوهرٌ وحجارُ
من لم يذقْ مرَّ الليالي مرةً ** لن يستطيبَ إذا أتى الإزهارُ
ومن احتسى كأسَ الشقاءِ مؤمنًا ** هانتْ عليه إذا أتتْ الأقدارُ
لا تسألوا عن قصَّتي، فهي التي ** كتبتْ سطورَ حروفِها الأخطارُ
في كلِّ جرحٍ قصةٌ مخبوءةٌ ** وفي كلِّ صمتٍ عبرةٌ وأسرارُ
إنِّي وإنْ خذلتْ خطايَ رفاقُها ** فاللهُ نعمَ السندُ والنصَّارُ
هو ملجئي، وهو الرجاءُ إذا غدتْ ** أبوابُ هذا العالمِ الأسوارُ
سأظلُّ أمضي لا أبيعُ كرامتي ** فالحرُّ يبقى حرَّهُ الأبرارُ
والنخلُ إن رُجِمَ الحجارةَ دائمًا ** لا يُسقطُ إلا طيبَ ما يختارُ
هذا أنا... رجلٌ تعلَّمَ أن يرى ** خلفَ الغيومِ تباشيرًا وأنوارُ
ما ماتَ حلمي، بل يعيشُ بعزَّةٍ ** حتى وإنْ نامتْ عليهِ ديارُ
أنا رجلٌ حكمتْ عليَّ الأقدارُ ** لكنَّني فوقَ الخطوبِ منارُ
سأظلُّ أكتبُ بالحياةِ قصيدتي ** حتى يُقالَ: هنا مضى المغوارُ
ما ضرَّهُ أنْ ضاقَ دربٌ مرَّةً ** ما دامَ في قلبِ اليقينِ وقارُ.