الأربعاء، 12 أغسطس 2026

Hiamemaloha

ق.ق الشاطئ الآخر للكاتب طارق الحلواني

 الشاطئ الآخر     ق.ق

▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎

كان يعرف أن القرية تتغير في هذا الوقت من كل عام.

منذ كان صغيرا، كان يرى البيوت تفتح أبوابها، والشوارع تضيق بالسيارات، والرجال يعودون من إيطاليا بملابس جديدة وساعات لامعة وحقائب ممتلئة بالهدايا.

كانت القرية تتزين.

والبنات أيضا كن يتزين.

أمهات يراقبن من خلف النوافذ، وزيارات تكثر، ونظرات تعرف أكثر مما تقول.

كان العائد من إيطاليا يُسمى في القرية: عريسا جاهزا.

وبمرور السنوات، ظهرت قصور وفيلات بجوار بيوت طينية قديمة، كأن المال القادم من وراء البحر استطاع أن يغير شكل الحياة، لكنه لم يستطع أن يمحو آثار الفقر تماما.

أما الطريق إلى إيطاليا، فكان له اسم آخر لا يحب أحد أن يتذكره:

رحلة الموت.

إما الوصول.. وإما النهاية.

كبر الصبي.

دخل الجيش، ولم يتبق من خدمته سوى شهور قليلة. عاد إلى بلدته في إجازته، فوجدها كما تركها، لكنه هذه المرة لم ينظر إلى المهاجرين بعين الطفل الذي يحلم.

كان ينظر إليهم بعين رجل يريد أن يصبح واحدا منهم.

اقترب من بيتهم الطيني.

كانت أمه تعرف موعد وصوله.

جلست أمام الفرن، وعلى يديها آثار العجين. دفعت طاجنا إلى داخله، ثم عادت إلى الكانون المجاور، فوقه حلة كبيرة من محشي الكرنب.

كانت تعرف أنه يحبه.

وحسب الظروف، كانت تضع فوقه دجاجة أو بطة أو وزة.

دخل فناء البيت وقال:

ـ أمى.. وحشتيني.

التفتت.

مسحت يديها في ثوبها، ثم أسرعت إليه.

ـ حمدالله على السلامة يا ضنايا.

احتضنته طويلا.

في تلك الليلة، جلسوا جميعا.

الأب.

الأم.

أخواته الأربع.

وأخوه الصغير.

قال الأب:

ـ سمعت إنك عايز تسافر.

ـ إيطاليا يا أبوي.

ظل الأب صامتا قليلا.

ـ وإنت فاكرها سهلة؟

ـ عارف.

ـ مفيش حاجة مضمونة.

كان يعرف.

لكنه كان يعرف أيضا أن البيت لم يعد يحتمل.

أخواته يكبرن، وأخوه الصغير يحتاج إلى مدرسة، والأرض لم يتبق منها إلا قيراطان.

قال الأب:

ـ الأرض دي آخر حاجة عندنا.

نظر الابن إلى أمه.

كانت تنظر إليه ولا تتكلم.

قال:

ـ وأنا آخر حاجة عندكم.

ساد الصمت.

في تلك الليلة، تذكر فتاة يحبها.

كانت قد قالت له ذات يوم:

ـ نفسي أعيش في بيت له شباك كبير.

ضحك يومها وقال:

ـ هعملهولك.

كان وعدا أكبر من قدرته.

في الصباح، خرج مع أبيه إلى الأرض.

وقفا طويلا.

قال الأب:

ـ لو بعناها.. خلاص.

أجاب الابن:

ـ ولو ما بعناهاش.. برضه هنفضل زي ما إحنا.

لم يرد الأب.

بعد أيام، خرج القيراطان من ملكهم.

وحين وقف الشاب عند طرف الأرض للمرة الأخيرة، انحنى وأخذ حفنة من التراب.

ظل ينظر إليها لحظة.

ثم تركها تسقط من بين أصابعه.

في الموعد المحدد، حمل حقيبة صغيرة.

لم تأت أمه إلى الباب.

كانت تعرف أن الوداع الطويل يضعف الرجال.

رفع يده نحو النافذة.

كانت واقفة خلفها.

رفعت يدها.

ومضى.

كان يظن أنه ذاهب إلى الشاطئ الآخر.

ولم يكن يعرف ماذا ينتظره هناك.

كان الطريق إلى ليبيا أطول مما تخيل.

صحراء لا تنتهي، وشاحنة تهتز فوق طريق بالكاد يظهر، ووجوه صامتة تحدق في الفراغ.

كلما سأل أحدهم عن المسافة، جاءه الجواب نفسه:

ـ لسه.

لم يكن يعرف كم مضى من الوقت.

كان يتحسس المال في جيبه، ثم يتذكر القيراطين.

لم يعد هناك طريق للعودة.

في إحدى محطات التوقف، جلس إلى جواره شاب أسمر نحيل، يحمل حقيبة صغيرة.

قال له:

ـ مصري؟

هز رأسه.

ـ وأنا رواندي.

ابتسم الشاب.

ـ اسمك إيه؟

ـ صابر.

مد الشاب يده.

ـ إيمانويل.

صافحه صابر.

كانت يده باردة، رغم حرارة الصحراء.

جلسا قليلا دون كلام.

ثم قال صابر:

ـ مسافر لوحدك؟

نظر إيمانويل إلى الطريق.

ـ كلنا مسافرين لوحدنا.

بقيت الجملة في رأس صابر طويلا.

بعد أيام من التنقل والانتظار، وجد نفسه بين مجموعة من الشباب العرب والأفارقة.

كان هناك فلسطيني هادئ، كثير النظر إلى يده. وفي إصبعيه كان يدور مفتاح قديم.

اقترب منه صابر.

ـ مفتاح إيه؟

ابتسم الرجل ابتسامة صغيرة.

ـ بيت.

ـ بيتك؟

ـ بيت أبى.

ظل صابر ينظر إلى المفتاح.

قال الرجل:

ـ إياد.

ـ صابر.

تصافحا.

أعاد إياد المفتاح إلى جيبه، كأنه يخشى أن يراه أحد.

كان سامح، السوري، أكثرهم كلاما.

كلما جاء الليل، تحدث عن أمه.

قال مرة:

ـ أمي كانت فاكرة إني هارجع بعد أسبوع.

ضحك ضحكة قصيرة، بلا فرح.

ـ بقالى سنة ما شوفتهاش.

أما جاد، السوداني، فكان يحتفظ بصورة صغيرة لامرأة وطفلين.

كلما أخرجها، ظل صامتا.

سأله صابر:

ـ دول مين؟

قال:

ـ مراتي وولادي.

ثم أعاد الصورة إلى جيبه.

ـ ربنا يجمعنا.

كان إيمانويل أقلهم كلاما.

وفي إحدى الليالي، جلس صابر إلى جواره.

ـ إنت هربت من إيه؟

ظل إيمانويل صامتا.

ثم قال:

ـ من حاجة حصلت عندنا.

ـ حرب؟

هز رأسه.

ـ صراع.

ـ بين مين ومين؟

نظر إليه طويلًا.

ـ الهوتو والتوتسي.

سكت لحظة، ثم أضاف:

ـ أبوي مات. أمي خافت علي، فخبتني أيام. بعدها اتفرقنا.

لم يسأله صابر أكثر.

كان لكل واحد منهم حكاية أكبر من الطريق.

الغريب أنهم، رغم اختلاف البلاد والوجوه واللغات، كانوا يتحدثون عن الشيء نفسه:

البيت.

بعد أيام من الانتظار، جاء الموعد.

نُقلوا ليلا إلى مكان قريب من الساحل.

لم يروا البحر أولا.

سمعوه.

صوتا غامضا يأتي من الظلام، ثم يقترب.

ظهرت قوارب صغيرة.

صعدوا إليها واحدا وراء الآخر.

كان صابر يضع حقيبته بين قدميه.

إياد يلمس المفتاح في جيبه.

سامح يردد شيئا بصوت خافت.

جاد يضم صورة عائلته إلى صدره.

أما إيمانويل، فكان ينظر إلى الظلام.

نُقلوا من القوارب إلى مركب أكبر.

كان ضيقا.

ضيقا إلى درجة أن الأجساد صارت متلاصقة، والحقائب تحت الأقدام، ورائحة الوقود تختلط بالعرق والملح.

وقف أحد الرجال يشرح التعليمات.

ـ لما نوصل المكان، هقولكم تنزلوا.

لم يسأل أحد: أين؟

كان الجميع يعرف.

تحرك المركب.

في البداية، كان البحر هادئا.

جلس صابر إلى جوار إياد.

قال إياد:

ـ لو وصلت... هتعمل إيه؟

فكر صابر قليلا.

ـ أبني بيت.

ابتسم إياد، وأخرج المفتاح من جيبه.

ـ وأنا نفسي أشوف باب البيت ده مرة تانية.

نظر صابر إلى المفتاح.

ثم إلى البحر.

ولأول مرة منذ غادر بلدته، شعر أن إيطاليا لم تعد مكانا بعيدا.

لقد أصبحت خلف هذا الماء مباشرة.

مر الوقت.

تغيرت الريح.

رفع جاد رأسه.

ـ الجو اتغير.

لم يرد أحد.

بدأ المركب يهتز.

اهتزازا خفيفًا أولا.

ثم أقوى.

نظر صابر إلى السماء.

كانت الغيوم تتجمع.

والريح تزداد.

أمسك بحافة المركب.

جاءت موجة.

ارتفع المركب ثم هبط.

تبادل الرجال النظرات.

صرخ أحدهم:

ـ اثبتوا!

لكن البحر لم يكن يسمع.

جاءت الموجة الثانية أعلى من الأولى.

ارتفع المركب حتى بدا للحظة كأنه سيقف فوق الماء، ثم هبط بعنف.

صرخ أحدهم.

تشبث الرجال ببعضهم.

كان المطر قد بدأ؛ قطرات قليلة أولًا، ثم انهمر فجأة، واختلط ماء السماء بماء البحر.

أصبح كل شيء يتحرك.

المركب.

الأجساد.

الحقائب.

والخوف.

صرخ الرجل المسؤول:

ـ لما أقول انزلوا.. تنزلوا!

لم يعد أحد يسمعه.

كانت الريح أقوى من صوته.

تطايرت الكلمات في الظلام.

ثم جاءت موجة ضخمة وضربت جانب المركب.

صدر صوت ارتطام.

تبعته صرخات.

انزلقت أقدام، وتعلقت الايادى بالأجساد.

أمسك صابر بحافة المركب، وقلبه يضرب صدره بعنف.

فجاء الأمر:

ـ انزلوا!

لم يفكر.

قفز.

ابتلعه الماء.

كان باردا إلى درجة جعلته ينسى التنفس.

فتح عينيه تحت الماء، فلم ير شيئا.

حاول الصعود.

خرج رأسه للحظة.

أخذ نفسا.

ثم ضربته موجة أخرى.

ابتلع ماء مالحا.

حاول أن يصرخ، لكن صوته اختفى داخل البحر.

مد يده.

وجد يدا تمسك بها.

كانت يد إياد.

قبض عليها بكل قوته.

ـ إياد!

لم يجبه.

كان إياد يلهث.

ثم تشابكت يد أخرى.

سامح.

ثم يد ثالثة.

جاد.

ثم وجد إيمانويل إلى جواره.

خمس أيادى تشابكت في الظلام.

خمسة غرباء.

خمسة بلدان.

خمسة أوجاع.

وفي تلك اللحظة لم تعد هناك بلدان.

كانت هناك أيادى فقط.

صرخ أحدهم:

ـ ما تسيبش إيدي!

لم يعرف صابر من قالها.

جاءت موجة.

اختفت الوجوه.

ظهرت.

ثم اختفت مرة أخرى.

كان البحر يرفعهم ثم يلقيهم.

كلما حاول صابر أن يأخذ نفسا، دخل الماء إلى فمه.

بدأ جسده يثقل.

ذراعاه لم تعودا قادرتين على الحركة.

تشبث بيد إياد.

ثم جاءت موجة أعنف.

انفلتت اليد.

ـ إياد!

لم يسمعه أحد.

مد صابر يده في الظلام.

لم يجد شيئا.

ـ إياد!

جاءه صوت بعيد.

أم أنه تخيله؟

ثم ضربته موجة أخرى.

اختفى الصوت.

حاول أن يسبح نحو المكان الذي سمعه منه.

لم يعرف أين هو.

صرخ:

ـ سامح!

لا جواب.

ـ جاد!

لم يسمع إلا هدير البحر.

رفع رأسه.

لمح يدا بعيدة.

صرخ:

ـ إيمانويل!

اختفت اليد.

لم يعد يعرف من بقي ومن اختفى.

لا يعرف أين المركب.

ولا أين الشاطئ.

ولا أين السماء.

كان البحر أكبر من كل شيء.

أكبر من القيراطين.

أكبر من البيت.

أكبر من إيطاليا.

وأكبر من قدرته على المقاومة.

جاءت موجة.

غطته بالكامل.

فتح عينيه تحت الماء.

كان الظلام أزرق كثيفا.

حاول أن يسبح.

ضرب الماء بذراعيه.

مرة.

ثم مرة أخرى.

لكن جسده أصبح أثقل.

ارتفع رأسه فوق الماء.

للحظة قصيرة رأى القمر.

كان بعيدا.

وحوله نجوم صغيرة، ثابتة، لا تعرف شيئا عن الذين يموتون تحتها.

ظل ينظر إليها.

كأنها آخر شيء يمكن أن يمسك به.

ثم غطته موجة.

اختفى القمر.

اختفت النجوم.

اختفى كل شيء.

صار الظلام كاملا.

وفي الظلام، بدأت الذكريات تأتي.

رأى أمه أمام الفرن.

يديها مغطاتان بالعجين.

رأى الطاجن يدخل النار.

شم رائحة المحشي.

سمع صوتها:

ـ حمد الله على السلامة يا ضنايا.

فتح عينيه.

لم تكن هناك.

أغمضهما.

رآها مرة أخرى.

ثم رأى أباه واقفا في الأرض.

ورأى القيراطين.

ورأى أخواته.

وأخاه الصغير.

ورأى الفتاة التي وعدها ببيت له شباك كبير.

قال بصعوبة:

ـ يا رب.. رجعني.

لم يعد يريد إيطاليا.

لم يعد يريد المال.

لم يعد يريد البيت.

كان يريد أمه.

فقط أمه.

حاول أن يسبح.

لم يستطع.

غاص نصف جسده.

رفع رأسه.

صرخ.

خرج من فمه صوت غريب لم يسمعه هو نفسه.

ثم لمح شيئا.

في البداية ظنه نجمة.

ثم ظهر ضوء آخر.

أضواء تتحرك.

اقتربت.

صوت محرك.

ثم صوت بعيد.

سارينة.

فتح عينيه.

كانت أضواء قوية تقطع الظلام.

قارب تابع لشرطة الحدود.

رجال يصرخون.

أصوات متداخلة.

ـ هنا!

ـ امسك!

مد أحدهم ذراعه.

حاول صابر أن يرفع يده.

لم تستطع.

رفعها مرة أخرى.

أمسك بها أحد الرجال.

سحبوه.

وقع على أرضية القارب.

ظل ممددا، يرتجف، يفتح فمه محاولا التنفس.

قال له أحدهم:

ـ فيه حد تاني؟

حاول أن يجيب.

نظر إلى البحر.

لم يجد أحدا.

فتح فمه.

لم يخرج صوت.

كرر الرجل:

ـ فيه حد تاني؟

حرك شفتيه.

لا صوت.

اقترب منه الرجل:

ـ بتقول إيه؟

حاول صابر مرة أخرى.

خرج صوت مبحوح، بالكاد سُمع:

ـ إياد..

ثم سكت.

ظل ينظر إلى البحر.

إلى الظلام.

إلى المكان الذي اختفت فيه الأيدي.

تحرك القارب.

ارتفعت السارينة.

دارت الأضواء فوق الماء.

كان صابر يرتجف، عاجزا عن الكلام.

ثم أغمض عينيه.

وفجأة..

ـ اصحى يا ابني.

لم يتحرك.

ـ اصحى يا ضنايا.

فتح عينيه.

كانت أمه أمامه.

نور الصباح يدخل من النافذة.

رائحة الخبز تملأ المكان.

قالت:

ـ إيه يا ابني انت هتنام للضهر؟ أبوك مستنيك في الغيط من بدرى.

ظل ينظر إليها.

لم يفهم.

وضعت يدها على كتفه.

ـ القمح لازم يتضم النهارده.

رفع يده إلى وجهه.

كانت جافة.

لا ماء.

لا ملح.

لا بحر.

جلس.

نظر حوله.

البيت الطيني.

الفرن.

الطاجن.

الكانون.

كل شيء كما تركه.

قالت أمه:

ـ مالك؟

لم يجب.

خرج إلى أبيه.

كان واقفا وسط القمح.

ناوله المنجل.

ـ يلا يا ابني.

أمسكه.

ظل واقفا لحظة.

نظر إلى الأرض.

إلى القيراطين.

كانا كما هما.

رفع عينيه إلى أبيه.

قال الأب:

ـ مالك؟

هز رأسه.

ـ ولا حاجة.

وانحنى يضم القمح.


طارق الحلوانى 

أغسطس ٢٠٢٦

Hiamemaloha

About Hiamemaloha -

هنا تكتب وصفك

Subscribe to this Blog via Email :