عودة إلى الديار.
بقلم الأستاذة لطيفة ناجي
عدت إليها ،بعد غياب طويل ،فأخذتني بالأحضان.خلتها ستكون مني غاضبة فتعاتبني ولكنها لم تنبس ببنت شفة.رحبت بي بصمتها المعتاد .هي تعرفني من أربعة عقود مضت، يومها تم اللقاء وتوطدت بيننا العلاقات وصرت جزء منها . لكم تغيرت ! كنت أظنها ستبقى على حالها،شباب متجدد،وجمال لا ينفذ .خاب ظني ،وحزنت عميقا لحزنها .
لكم هالني ما لاحظته من تغيرات .كانت كئيبة،على غير عادتها ،رغم انفراج أسارير وجهها،أظنها تعمدت ذلك حتى لا تحرجني .بالفعل،السماء صافية لا تشوبها غيوم،والجو معتدل والطيور تصدح في أوكارها أو تحلق فوق الحقول ،وحفيف الشجر ،ذلك النغم الساحر الذي يشنف مسامعي فيطربني ،سمعته يتردد من خلال الأفنان المتعبة ،لحن حزين يداعب الوجدان .بدأت الأشجار تفقد أوراقها فتتناثر هنا وهناك ،وتدوسها الأقدام،دون مبالاة فيسمع لخشخشتها وقع رهيب وكأنها تئن أو تتألم . من وراء الباب القديم،لمحت أوراق الدالية العجوز مبعثرة في فناء البيت القديم،تغير لونها بعدما تساقطت عليها أمطار رعدية ،فشكلت كثلة واحدة على جانب الممر في انتظار من يزيلها ويودعها في مثواها الأخير .كل الغرف مقفلة يتردد الصمت الرهيب من وراء جدرانها التي تآكلت بفعل تقلبات الجو فأضحت كلها تقرحات وكأنها أصيبت بطفح جلدي مقيت .آخر العناقيد تتدلى في خجل ،ربما تستعجل الرحيل بعدما أتعبها طول الانتظار.
وقفت واجمة، أتأمل في ذلك المنظر الرهيب،أستحضر كل الصور والذكرى العالقة بفكري فانهمرت دموعي ،وانقبض قلبي من شدة الألم ومن هول الموقف.
يوميات من البادية .
بقلم : لطيفة ناجي.